رســــول الإحــســــاس
قـــلــبٌ يُــردّدُ تــعـويــذة فِـــكــرٍ .. و طُــهــر
الأجنحة المتكسرة .. جبران خليل جبران

 
 
 
 

 

روايةٌ كُتبَ لها أن تُربِِكَ فُتوّتي ، و تنتشِلَني من مُستنقعِ الفَهمِ النّاقصِ و المغلوطِ للأشياء ، إلى سماواتِ الفِكرِ و التّفكّرِ و الإحساسِ و الطّهرِ بجناحي كاتبٍ مُبدعٍ صنعَ بأنامِلهِ أوّل الجّسورِ التي نقلتني إلى العالمِ الروحانيّ الذي تتآلفُ فيهِ الأرواحُ الطّاهرة و يحكمُهُ الإحساسُ بدستورٍ كُتِبهُ العقلُ و تلاهُ علينا القلب ، لتتلقفهُ أرواحُنا طريقاً وحيداً لخلاصنا .

 

روايةٌ قرأتُها صُدفةً فكانتْ أوّل ما قرأتُ من أدب ، و لحُسْنِ حظّي أنّها كانتْ كذلك ، إذ أنّها علّمتني أنّ العظماء لا يمكنُ فَهمُ أفكارهم و تعلّم فلسفتهم و معرفةُ أسرار وصاياهم و وراثةُ أقلامهم و إحساسهم إلا إذا قرأتهم بالحواسّ الخمس و أعدتْ الكرّة كلّما استعصى عليكَ حلُّ لغزٍ من ألغاز الحياةِ المعقدةِ و التي لا يُمكِنُ حلّها إلا بخلطاتٍ من طينةِ الخلطاتِ الجبرانية و التي كانَ لها عميقُ الأثر علي مستقبلاً بأن أصبحت القراءةُ و الكتابةُ هوايتي و مهنتي و.. و رِئتيَّ .

 

( الأجنحةُ المتكسّرةُ ) .. أنبتتْ أجنحتي و علّمتني الطّيران و التحليق في سماواتٍ عاليةٍ جدّاً و أنا الذي كنتُ ما زِلتُ صبياً لم يُجِدْ بعدُ أن يضبِِطََ مَشيَتَهُ !! .

علّمتني أنّ الغذاء الرّوحي هو أسمى ما يجبُ أن نبحثَ عنه و نجتهِدَ و نُجاهدَ للحصولِ عليهِ لأنّه الوحيدُ القادرُ على أن يعطي ذواتنا وصفَ السّحر و الدّهشة .

علّمتني أنّ الطُهر هو أغلى ما يُمكِنُ أنْ يَهِبَهُ اللهُ لأحدِنا ليكونَ لغتهُ الرسميةَ و الوحيدةَ في حوارهِ مع الكائناتِ و مع الأشياء .

أنقذتني من بهرجةِ النّاسِ و حوارِ الجاهلين و الفارغين و المجانينِ ، و ذهبتْ بي إلى وحدةٍ أثرتْ شخصيتي و أثّرت على ملامحي ، و استعجلتْ نضوجي بممارسةِ التأمّلِ و التّفكرِ بماهيةِ الكونِ و حِكَمِ الخالقِ و ذواتِ المخلوقاتِ و طبيعةِ الأشياء ، و دفعتني لفهم أسرارٍ كُبرى ، و حلّ ألغازٍ كثيرةٍ و صعبةٍ ، و طمأنتني أنّ الخلوةَ بالنفس و مصاحبةَ الذّاتِ و الزّهدَ بمُتعِ النّاس و لهوهم لا تُعدُّ علاماتِ مرض ابتليت بهِ ، إنما هي ميزةٌ عظيمةٌ فيما إذا أجدتُ استثمارَِ آثارها و أدّعي أنني فعلتُ .

 

هذه الروايةُ الأسطورةُ .. أعطتني مفاتيح الرّجولة الصحيحة و لم أكنْ بعدُ قد بلغتُ السّادسةَ عشرةَ من عمري !!! ، و هذّبتني و ربّتني و بعثتني رسولاً للطُهرِ و الإحساس في وقتٍ كنتُ ما زلتُ فيهِ أبحثُ عن حذائي الرياضيّ الذي خبّأتهُ أمّي عني لتمنعني من اللّعب مع بقيةِ الصّبيةِ في حارةٍ كانت تضِجُّ بلهونا و لعبنا ، و هي تعِدُني : " إذا وجدتُهُ - أي حذائي -  سأسمح لك باللعبِ "  ، و وجدتُهُ بكيس بلاستيكيّ في فرن التنور المهمل في إحدى الغرفِ الخارجيةِ و لم تسمح لي أمّي مع ذلكَ بالخروج كرمى مدرستي و دراستي ، دون أنْ تدري - و لا حتّى أنا - أنّني في مرحلةٍ لاحقةٍ كنتُ سأجِدُ ما هو ألذُّ و أجملُ و أرقى من اللعب ، قبل أنْ أكتشف مع الوقت أنّني أشبهُ لدرجةٍ كبيرةٍ هذا الكاتِبَ الذي شغلَ العالم و أدهشهُ بأفكارِهِ و فلسفتهِ و إبداعاتِهِ  .

 

روايةٌ هزّت كياني لمّا قرأتُها أوّل مرّةٍ ، و ما زالتْ تهُزّني و تُربِكني و توجِعُني و تبكيني كلّما التهمتُ حروفها بنهمِ توّاقٍ للصّدقِ و الإحساس و الحرّيّة .. و للمحبة ، ما زالتْ تُحرّضني على الثّورةِ و الحبّ و الجنونِ و الطّيران ، و تُطعمُني الأملَ بإحدى يديها رغم أنّها كانت تقبضُ على رقبةِ الفرحِ باليدِ الأخرى !! .

 

روايةٌ زيّنتْ روحي بشتلاتِ الحُزنِ الجميلِ ، و علّمتني الطّريقةَ المُثلى التي يجبُ أن أُعامِلَ بها كآبتي ، و دلّتني أنّ للفرحِ أكثرُ من عنوانٍ مزوّر ، و أنَّ للحزنِ عنوانٌ حقيقيٌّ واحدٌ لا بدّ لمنْ أرادَ أنْ يكونَ مُعلّماً و مدهشاً في حياتِهِ أن ينامَ في بيتهِ - أي بيت الحزن - أكثرَ من مرّة ، و يشرب من حليبهِ ، و يقرأ تعويذاتِهِ و يستمع لتعاليمهِ و يحفظها و يردّدها عن ظهرِ قلب ، ويصلّي لله :

 

" أشفق يا رب وشدّد جميع الأجنحة المتكسرة " . 

 

في ( الأجنحةِ المتكسرة ) شرحَ و عرّفَ ( جُبران ) المعاني السامية للأحاسيس التي تنتابُنا ، و غيّر و طوّر فهمنا البدائي لمجموعةِ القدريات التي تعترض مشوار حياتنا ، فأبهر و أبدعَ و أقنع .

 

الحُزن و الكآبة .. سمتانِ محوريتانِ من سماتِ جبران ، شَرحهما بطريقةٍ أخّاذة و حلّلَ دوافعهما و موجباتهما و نتائجهما فاعتبر أنّ " المرءُ إنْ لم تَحبلْ بهِ الكآبةُ ويتمخّضُ بهِ اليأسُ ، وتضعهُ المحبّة في مهدِ الأحلامِ ، تظلُّ حياتُهُ كصفحةٍ خاليةٍ بيضاءَ في كتابِ الكيانِ "  .

 

و هكذا كان يبتعدُ عن الملاهي التي تشغل الشباب بعمره إلى الخلوةِ و التّفكرِ :

 " إن النفس الكئيبة تجد راحة بالعزلة والانفراد فتهجر الناس مثلما يبتعد الغزال الجريح عن سربه ويتوارى في كهفه حتى يبرأ أو يموت... " .

 

حتّى أنّ كآبتهُ كانت سبباً رئيسياً من أسباب عشقهِ الأول للأنثى التي أحبّها و كانت محور الرواية :

" أما الصفة التي كانت تعانق مزايا سلمى وتساور أخلاقها فهي الكآبة العميقة الجارحة، فالكآبة كانت وشاحاً معنوياً ترتديه فتزيد محاسن جسدها هيبة وغرابة، وتظهر أشعة نفسها من خلال خيوطه كخيوط شجرة مزهرة من وراء ضباب الصباح. وقد أوجدت الكآبة بين روحي وروح سلمى صلة المشابهة فكان كلانا يرى في وجه الثاني ما يشعر به قلبه ويسمع صوته صدى مخبآت صدره فكأن الله قد جعل كل واحد منا نصفاً للآخر يلتصق به بالطهر فيصير إنساناً كاملاً، وينفصل عنه فيشعر بنقص موجع في روحه . إن النفس الحزينة المتألمة تجد راحة بانضمامها إلى نفس أخرى تماثلها بالشعور وتشاركها بالإحساس مثلما يستأنس الغريب بالغريب في أرض بعيدة عن وطنيهما ــ فالقلوب التي تدنيها أوجاع الكآبة بعضها مع بعض لا تفرقها بهجة الأفراح وبهرجتها، فرابطة الحزن أقوى في النفوس من روابط الغبطة والسرور؛ والحب الذي تغسله العيون بدموعها يظل طاهراً وجميلاً وخالداً  " .

 

و لكنّه لم يكن يؤوساً و لا مستكيناً ، بل كانَ ثائراً على الدوام و مؤمناً بأن الإرادةَ تصنعُ المعجزات ، و أنّها مع الإيمان و الشّجاعةِ و الحرّية و الصبرِ تصلُ بالمرء لأنَ يحقّق ما يصبو إليهِ أو أن يكتفي بشرفِ أنّه لم يستكنْ و لم يجْبُنْ ، فكانَ أنْ وقف أمام معاني العذاب و اليأس و الموت شاهراً إحساسهُ و صدقهُ أمام المحبطين و المعذبين في الأرض :

 

" هلمي نقف كالجنود أمام الأعداء متلقين شفار السيوف بصدورنا لا بظهورنا . فإن صرعنا نموت كالشهداء وإن تغلبنا نعيش كالأبطال... إن عذاب النفس بثبات أمام المصاعب والمتاعب لهو أشرف من تقهقرها إلى حيث الأمن والطمأنينة فالفراشة التي تظل مرفرفة حول السراج حتى تحترق هي أسمى من الخلد الذي يعيش براحة وسلامة في نفقه المظلم. والنواة التي لا تحتمل برد الشتاء وثورات العناصر لا تقوى على شق الأرض ولن تفرح بجمال نيسان... هلمي نسير يا سلمى بقدم ثابتة على هذه الطريق الوعرة رافعين أعيننا نحو الشمس كيلا نرى الجماجم المطروحة بين الصخور، والأفاعي المنسابة بين الأشواك، فإن أوقفنا الخوف في منتصف الطريق أسمعتنا أشباح الليل صراخ الاستهزاء والسخرية، وإن بلغنا قمة الجبل بشجاعة فترنم معنا أرواح الفضاء بأنشودة النصر والاستظهار " .

 

" هل وهبنا الله نسمة الحياة لنضعها تحت أقدام الموت؟ وأعطانا الحرية لنجعلها ظلاً للاستعباد؟ إن من يخمد نار نفسه بيده يكون كافراً بالسماء التي أوقدتها. ومن يصبر على الضيم ولا يتمرد على الظلم يكون حليف الباطل على الحق وشريك السفاحين بقتل الأبرياء. وقد أحببتك يا سلمى وأحببتني والحب كنز ثمين يودعه الله النفس الكبيرة الحساسة. فهل نرمي بكنزنا إلى حظائر الخنازير لتبعثره بأنوفها وتذريه بأرجلها؟ أمامنا العالم مسرحاً وسيعاً مملوءاً بالمحاسن والغرائب فلماذا نسكن في هذا النفق الضيق الذي حفزه المطران وأعوانه؟ أمامنا الحياة من الحرية وما في الحرية من الغبطة والسعادة فلماذا لا نخلع النير الثقيل عن عاتقينا ونكسر القيود الموثوقة بأرجلنا ونسير إلى حيث الراحة والطمأنينة؟ " .

 

" إن البلبل لا يحوك عشاً في القفص كيلا يورث العبودية لفراخه " .

 

أمّا الجّمال في عيونِ و قلبِ و أحاسيس جبران فكان أرقى و أسمى من تصنيفاتِ البشرِ و قياساتهم :

 

" إن الجمال سر تفهمه أرواحنا وتفرح به وتنمو بتأثيراته، أما أفكارنا فتقف أمامه محتارة محاولة تحديده وتجسيده بالألفاظ ولكنها لا تستطيع ــ هو سيال خاف عن العين يتموج بين عواطف الناظر وحقيقة المنظور . الجمال الحقيقي هو أشعة تنبعث من قدس أقداس النفوس وتنير خارج الجسد مثلما تنبثق الحياة من أعماق النواة وتكسب الزهرة لوناً وعطراً ــ هو تفاهم كلي بين الرجل والمرأة يتم بلحظة وبلحظة يولد ذلك الميل المترفع عن جميع الأميال. ذلك الانعطاف الروحي ندعوه حباً " .

 

أمّا المحبة فقد عرّفها كما يجبُ أن تُعرَّفَ ، و شرحها خيرَ الشرح ، و أرانا إيّاها بأبلغِ صورِها و أشكالها ، زرعها في قلوبِنا بدونِ تكلّفٍ و لا مُبالغةٍ و لا مثاليةٍ ، و علّمنا أنّها سرٌّ من أسرار الله يودِعُها قلوبَ من يشاءُ من عبادِهِ ، و أنّها أسمى من مجرّدِ امتلاكِ الآخر ، و أنّها إذا لم تقترن بالطّهرِ و النُبلِ و الصّدقِ و التضحيةِ فإنّها تكونُ منقوصةً و ناقصةً ، و لهذا فقد اتَّهمَ بالجهل هؤلاء " الناس الذين يتوهمون أن المحبة تتولد بالمعاشرة الطويلة والمرافقة المستمرة . إن المحبة الحقيقية هي ابنة التفاهم الروحي وإن لم يتم هذا التفاهم بلحظة واحدة لا يتم بعام ولا بجيل كامل " .

 

و اعتبر أن " المحبَة هي الحرية الوحيدة في هذا العالم لأنها ترفع النفس إلى مقام سام لا تبلغه شرائع البشر وتقاليدهم، ولا تسود عليه نواميس الطبيعة وأحكامها.  "  و " الزهرة الوحيدة التي تنبت بغير معاونة الفصول " .

 

و أبكانا لمّا تحدّث بلسان حبيبتهِ عنها - أي عن المحبة - :

 

" .. أنت تعلم بأنني أحبك محبة الأم وحيدها وهي المحبة التي علمتني أن أحميك حتى ومن نفسي . هي المحبة المطهرة بالنار التي توقفني الآن عن اتباعك إلى أقاصي الأرض وتجعلني أن أميت عواطفي وأميالي لكي تحيا أنت حراً نزيهاً وتظل في مأمن من لوم الناس وتقولاتهم الفاسدة. إن المحبة المحدودة تطلب امتلاك المحبوب ، أما المحبة غير المتناهية فلا تطلب غير ذاتها .. المحبة التي تجيء بين يقظة الشباب وغفلته تستكفي باللقاء وتقنع بالوصل وتنمو بالقبل والأعناق، أما المحبة التي تولد في أحضان اللانهاية وتهبط مع أسرار الليل فلا تقنع بغير الأبدية ولا تستكفي بغير الخلود ولا تقف متهيبة أمام شيء سوى الألوهية.. " .

 

ثمّ يجزمُ أنّ الحب عالمٌ سحريٌّ مقفلةٌ أبوابهُ أمام بليدي الإحساس :

 

" إن الذين لم يهبهم الحب أجنحة لا يستطيعون أن يطيروا إلى ما وراء الغيوم ليروا ذلك العالم السحري الذي طافت فيه روحي وروح سلمى في تلك الساعة المحزنة بأفراحها المفرحة بأوجاعها. إن الذين لم يتخذهم الحب أتباعاً لا يسمعون الحب متكلماً " .

 

و حينما تحدّثَ عن الأدوات الرّوحية التي توصلُ أحاسيسنا و شجون أرواحِنا و صدى أحزاننا في صدورنا لمن نحب ، تنهدنا بسائرِ أجسادنا لروعةِ أحاسيس كاتبٍ عُرفتِ كُلّ أعمالهِ الإبداعيةِ الأدبيةِ و الفنيةِ بصبغتها الرّوحيةِ ، الحسّيةِ ، لتكون مدرسةُ جبرانَ الرّوحية ملجأً للملايينِ من تلاميذهِ المؤمنينَ بأن الإحساس هو أبلغُ اللغاتِ و أرقاها :

 

" و لما حاولت الكلام وجدت لساني منعقداً وشفتي جامدتين فاستأنست بالسكوت لأن الشعور العميق غير المتناهي يفقد شيئاً من خاصته المعنوية عندما يتجسم بالألفاظ المحدودة. ولكنني شعرت بأن سلمى كانت تسمع في السكينة مناجاة قلبي المتواصلة، وتشاهد في عيني أشباح نفسي المرتعشة " .

 

" ومرت دقائق وكلانا صامت حائر مفتكر يترقب الآخر ليبدأ بالكلام. ولكن هل هو الكلام الذي يحدث التفاهم بين الأرواح المتحابة؟ هل هي الأصوات والمقاطيع الخارجة من الشفاه والألسنة التي تقرب بين القلوب والعقول؟ أفلا يوجد شيء أسمى مما تلده الأفواه وأطهر مما تهتز به أوتار الحناجر؟ أليست هي السكينة التي تحمل شعاع النفس إلى النفس وتنقل همس القلب إلى القلب؟

أليست هي السكينة التي تفصلنا عن ذواتنا فنسبح في فضاء الروح غير المحدود مقتربين من الملأ الأعلى شاعرين بأن أجسادنا لا تفوق السجون الضيقة وهذا العالم لا يمتاز عن المنفى البعيد؟ " .

 

" خرجنا إلى الحديقة وسرنا بين الأشجار شاعرين بأصابع النسيم الخفية تلامس وجهينا وقامات الأزهار والأعشاب اللدنة تتمايل بين أقدامنا، حتى إذا ما بلغنا شجرة الياسمين جلسنا صامتين على ذلك المقعد الخشبي نسمع تنفس الطبيعة النائمة ونكشف بحلاوة التنهد خفايا صدرينا أمام عيون السماء الناظرة إلينا من وراء زرقة السماء " .

 

" هل هو نيسان الذي جمعنا لأول مرة وهل هي هذه الساعة التي أوقفتنا في قدس أقداس الحياة؟ أما جمعت روحينا قبضة الله قبل أن تصيرنا الولادة أسيري الأيام والليالي؟ إن حياة الإنسان يا سلمى لا تبتدئ في الرحم كما أنها لا تنتهي أمام القبر، وهذا الفضاء الوسيع المملوء بأشعة القمر والكواكب لا يخلو من الأرواح المتعانقة بالمحبة والنفوس المتضامنة بالتفاهم " .

 

 

هذه الرواية ... كانت بوابتي إلى مدائنِ ( جبران ) .. حيث اكتشفتُ معه أنّ الفِكرَ لا يمكن اختصاره بكتاب و لا حتّى بمكتبة ، الشّعرَ لا يُمكن اختصاره بقصيدة و لا حتّى بديوان ، و لا اللغةُ يمكن اختصارها بجملةٍ أو بصفحةًٍ أو بروايةٍ ، و لا الألوانَ يمكن اختصارها بلوحة ، و لا الموسيقى يمكنُ اختصارها بمعزوفةٍ أو بآلة ، و لا الإحساسُ يمكن اختصاره بتنهيدةٍ أو بدمعة .

 

" إن الجامعة البشرية قد استسلمت سبعين قرناً إلى الشرائع الفاسدة فلم تعد قادرة على إدراك معاني النواميس العلوية الأولية الخالدة، قد تعودت بصيرة الإنسان النظر إلى ضوء الشموع الضئيلة فلم تعد تستطيع أن تحدق بنور الشمس. لقد توارثت الأجيال الأمراض والعاهات النفسية بعضها عن بعض حتى أصبحت عمومية بل صارت من الصفات الملازمة للإنسان فلم يعد الناس ينظرون إليها كعاهات وأمراض بل يعتبرونها كخلال طبيعية نبيلة أنزلها الله على آدم فإذا ما ظهر بينهم فرد خال منها ظنوه ناقصاً محروماً من الكمالات الروحية " .

 

في كلّ صفحةٍ كان مُدهشاً و ساحراً و شاعراً و مبدعاً و إنساناً ، فكانَ أنْ طوّعَ اللغةَ بشكلٍ أخّاذٍ فغيّر من فهمي البدائي للمعاني الإنسانيةِ و الرّوحية و حتّى الأدبية ، و عمّقَ في نفسي إنسانية أحدِنا و كيف يمكن لهُ أن يكتشفها أو أن يعثر عليها إذا كان قد أضاعها ، بل كيف لهُ أن يَبعثَها من جديدٍ إذا كان قد قتلها أو اغتصبها بإرادتهِ أو رغماً عنهُ ، بيديهِ أو بيديّ آخر .

 

 

جبرانَ خليل جبران .. الإنسانُ أولاً ثمّ المسيحي ، قرّبني من الله الذي هداني للإسلام و شرّفني بهِ ، و حبّبني بهِ أكثر ، و دلّني عليهِ أكثر رغم أنّه بالأصل ( ربما ) كان يهرب من تعاليمهِ و أوامره التي فصّلها قساوستهم المزورين على مقاساتهم لتصير شرائع بشرية لا شرائع إلهية  !! .

كانتْ مشكلتُهُ الأساسيةٌ مع الدّينِ الذي زوّره البشر و الأشباح الذين يعيثون في الأرضِ فساداً باسمهِ مُشوّهينَ الدّينَ و روحَ تعاليمهِ بقبحهم و فسادِ قلوبهم  ، فحاربهم و نفرَ منهم و عرّاهم بقبحهم ، فكانَ يغسلُ روحي بنور الإيمانِ عبر غضبِهِ عليهم و يجعلني أقترب أكثر من روحانية هذه العلاقة الخاصة بين العَبدِ و بينَ الرّبْ التي تقوم على المنطق و المعرفة و يحكمُها الإحساس حدّ الإيقان بعظمةِ الخالقِ و براءتهِ من هؤلاء الذين شوّهوا دينهُ مسلمين أو نصارى .

 

" هكذا قبض القدر على سلمى وقادها عبدة ذليلة في موكب النساء الشرقيات الناعسات. وهكذا سقطت تلك الروح النبيلة بالحبائل بينما كانت تسبح لأول مرة على أجنحة الحب البيضاء في فضاء تملؤه أشعة القمر وتعطره رائحة الأزاهر " .

 

" لا تدعوا كاهناً إلى جانب فراشي لأن "تعازيمه" لا تكفر عني ذنوبي إن كنت خاطئاً ولا تسرع بي إلى الجنة إن كنت باراً... إن إرادة البشر لا تغير مشيئة الله كما أن المنجمين لا يحولون مسير النجوم ... أما بعد الموت فليفعل الأطباء والكهان ما شاؤوا فاللجة تنادي اللجة أما السفينة فتظل سائرة حتى تبلغ الساحل.. ".

 

 

جبران خليل جبران ، كتبَ بأجنحةٍ متكسّرةٍ قصّتهُ مع ( سلمى كرامه ) تلكَ الأنثى التي كتب اللهُ أن تُحبّه و يُحبّها في التّوقيتِ الخطأ ، في مجتمعٍ تُساقُ فيهِ المرأةُ إلى الرجلِ الخطأ  و بالطّريقةِ الخطأ ، تحتَ وصايا و أوامر الدّينِ الخطأ ، لتكونَ في المكانِ الخطأ ، ثمّ ليكونَ اللقاءُ الخطأ ، قبل أن تكونَ النّهايةُ الخطأ .. و الموجعةُ طبعاً !

 

كُتِبَ لهذا الإنسانِ العفيف ، الطّاهر ، النّبيل ، الشّاعر ، أن يعشق أنثى سَبَقتْ عصرها فكانتَ جميلةَ الرّوحِ و ساحرةَ الجّسدِ و الهيأة ، عفيفةَ الخُلقِ و كريمةَ النّفسِ ، طيّبةَ الحضورِِ و شَهيةَ المظهر ، مبهرةَ الطلّعة ، فائقةَ الرّقةِ ، خالصة الأنوثةِ ،  تجيدُ حديثَ الأرواح و فكّ شيفرةَ الصّمتِ الذي تقولهُ العيونُ و ارتباكاتُ الجسد ، أنثى أطلقَ سراحَ جمالِها من المقاييس التي وضعها البشرُ للجّمال فرآهُ " غريباً كالحلم أو كالرؤيا أو كفكرٍ عُلويٍّ لا يُقاسُ و لا يُحدُّ و لا يُنسخُ بريشةِ المصوّر و لا يتجسّمُ برخامِ الحفّارِ " .

و أكّدَ أنّ " المرأةَ التي يمنحها الله جمالَ النّفسِ مشفوعاً بجمالِ الجّسد ، هي حقيقةٌ ظاهرةٌ غامضةٌ نفهمُها بالمحبَة ، و نلمِسُها بالطُهر ، وعندما نُحاوِلُ وَصفَها بالكلامِ تَختفي عنْ بصائِرِنا وراءَ ضبابِ الحيرةِ والالتباسِ .. " .

 

جبران الأديب الذي يتلاعبُ باللّغةِ و يُجيدُ استثمارها خيرَ استثمارٍ في بثّ أحاسيسِهِ من خلالها ، ذلك الشّاعر المبهر و الذي يصحّ أنْ نطلق عليهِ بأنّه أستاذُ التشابيه و الأوصافِ في رواياتهِ لكثرةِ ما تُبهِرُكَ بلاغةُ تشابيههِ و حسنُ اختيارها ، ذلك الشّاعر عجِزَ عن وصفِ حبيبتهِ ( الحُلمْ ) متسائلاً " من يا تُرى يستطيعُ أن يصفَ وجهَ سلمى كرامه ؟ بأيّةِ ألفاظٍ نَقدِرُ أنْ نُصوّرَ وجهاً حزيناً هادئاً محجوباً و ليس محجوباً بنقابٍ من الإصفرار الشفّاف ؟ بأيّةِ لغةٍ نقدِرُ أن نتكلّمَ عن ملامحَ تُعلنُ في كلِّ دقيقةٍ سرّاً من أسرارِ النّفسِ و تذكّرُ النّاظرينَ إليها بعالمٍ روحيٍّ بعيدٍ عن هذا العالم !؟ " . ثمّ أضاف " جمال سلمى كان نوعاً من النبوغ الشعري الذي نشاهد أشباحه في القصائد السامية والرسوم والأنغام الخالدة، وأصحاب النبوغ تعساء مهما تسامت أرواحهم تظل مكتنفة بغلاف من الدموع " .

 

 

نعم .. فقد ثارَ جبران خليل جبران على مظاهر القبح المستشريةِ في مجتمعانا الشرقيةِ ، دافعَ عن الأنثى ، و تحدّث بلسانها ، و ناضلَِ باسمها ، و حاول أن ينتصرَ لأنوثتها ، في مجتمعٍ ظالمٍ موغلٍ بقباحةِ أهلهِ و القيّمين على شؤونهِ ، فلخّص قيمةَ المرأةِ و دورها في أيّ مجتمع عندما رأى أنَّ " المرأة من الأمة بمنزلة الشُعاع من السّراج وهل يكون شعاع السراج ضئيلاً إذا لم يكن زيته شحيحاً !؟ " .

 

و عندما قال على لسان حبيبتهِ : "إن الكتّاب والشعراء يحاولون إدراك حقيقة المرأة ولكنهم للآن لم يفهموا أسرار قلبها ومخبآت صدرها لأنهم ينظرون إليها من وراء نقاب الشهوات فلا يرون غير خطوط جسدها أو يضعونها تحت مكبرات الكره فلا يجدون فيها غير الضعف والاستسلام".

 

 

روايةٌ متعبةٌ بعمقِ تفاصيلها و عمقِ أبطالِها ، متعبةٌ بحقائقها الكبيرة التي أدارت فصولها و أحداثها : القدر ، الحبّ ، الحزن ، الفراق ، الموت . متعبةٌ بالمعاني الإنسانيةِ التي تقزّمها و تُحاربُها شرائِعُ البشر و دناوةُ رغباتهم ، متعبةٌ ببدايتها و موجعةٌ بنهايتها .

 

حرامٌ بكلّ المقاييس .. أن لا تناموا بين صفحاتِ هذه الرّواية ، و في أحاسيس هذا المُفكِّرِ و الروائيّ و الشّاعر و الرّسام المبدع جبران خليل جبران ، و تتعلموا فلسفتهُ في الحياة في روايةٍ هي الأصغر من حيثُ حجمها ، و الأقلُّ بالوقت التي تحتاجه لقراءتِها ، لكنّها من أروع ما يمكنُ للمرء أن يقرأه ، هي روايةٌ أمٌّ لعشراتِ الكُتبِ و الرواياتِ و الدواوين التي قرأتُها ، فلا تحرموا أرواحكم من التحليقِ بأجنحةِ جبرانَ المتكسرة ! .




* الجُّمَلُ المُظلّّلَةُ مقتبسةٌ من نفسِ فصولِ الرّوايةِ بدونِ تسلسلٍ زمني .
 
 
 
 
 
 

 

 

التحميل

 

أو

 

 

القراءة بشكل مباشر

 

 

 

نـائـل شـيـخ خـلـيـل

 

الصياغة النهائية في   28 نيسان 2009






جبران خليل جبران ..
سيرةُ فيلسوفٍ و مفكّرٍ و حكيمٍ و أديبٍ و شاعرٍ و رسّام



* هذا القسم منقول من مجموعة مصادر



وُلِد هذا الفيلسوف والأديب والشاعر والرسّام من أسرة صغيرة فقيرة في بلدة بشرّي في لبنان في 6 كانون الثاني 1883م .

كان والدهُ خليل سعد جبران الزوج الثالث لوالدته كميلة رحمة التي كان لها ابن اسمه بطرس من زواج سابق ثم أنجبت جبران وشقيقتيه مريانا وسلطانة .

والد جبران كان
راعياً للماشية، ولكنّه صَرف معظم وقته في السُكْرِ و لم يهتم بأسرته التي كان على زوجته ( كميلة ) وهي من عائلة محترمة وذات خلفية دينية ، أن تعتني بها مادياً ومعنوياً وعاطفياً . ولذلك لم يُرسل جبران إلى المدرسة ، بل كان يذهب من حينٍ إلى آخر إلى كاهن البلدة الذي سرعان ما أدرك جدّيته وذكاءه فأنفق الساعات في تعليمه الأبجدية والقراءة والكتابة مما فتح أمامه مجال المطالعة والتعرف إلى التاريخ والعلوم والآداب .

وفي العاشرة من عمره وقعَ جبران عن إحدى صخور وادي قاديشا وأصيب بكسر في كتفه اليسرى عانى منه طوال حياته .

 



لم يكفِ العائلة ما كانت تعانيه من فقر وعدم مبالاة من الوالد ، حتى جاء الجنود العثمانيون عام (1890) وألقوا القبض عليه و أودعوه السّجن بتهمة الإختلاس و باعوا منزلهم الوحيد ، فاضطرت العائلة إلى النزول عند بعض الأقرباء .
و لكنّ الوالدة قرّرت أنّ الحلّ الوحيد لمشاكل العائلة هو الهجرة إلى الولايات المتحدة سعياً وراء حياة أفضل .

عام 1894 خرج خليل جبران من السجن، وكان محتاراً في شأن الهجرة ، و لكنّ الوالدة كانت قد حزمت أمرها ، فسافرت العائلة تاركة الوالد وراءها و وصلوا إلى نيويورك في 25 حزيران 1895 ومنها انتقلوا إلى مدينة بوسطن حيث كانت تسكن أكبر جالية لبنانية في الولايات المتحدة و بذلك لم تشعر الوالدة بالغربة ، بل كانت تتكلم اللغة العربية مع جيرانها ، وتقاسمهم عاداتهم اللبنانية التي احتفظوا بها .

اهتمت الجمعيات الخيرية بإدخال جبران إلى المدرسة ، في حين قضت التقاليد بأن تبقى شقيقتاه في المنزل ، في حين بدأت الوالدة تعمل كبائعةٍ متجولة في شوارع بوسطن على غرار الكثيرين من أبناء الجالية ، وقد حصل خطأ في تسجيل اسم جبران في المدرسة وأعطي اسم والده ، وبذلك عرف في الولايات المتحدة باسم " خليل جبران " ، وقد حاول جبران عدة مرات تصحيح هذا الخطأ فيما بعد إلا أنه فشل .

بدأت أحوال العائلة تتحسن مادياً ، وعندما جمعت الأم مبلغاً كافياً من المال أعطته لابنها بطرس الذي يكبر جبران بست سنوات وفتحت العائلة محلاً تجارياً .
و كان معلمو جبران في ذلك الوقت يكتشفون مواهبه الأصيلة في الرسم ويعجبون بها إلى حد إلى أن مدير المدرسة استدعى الرّسام الشهير هولاند داي لإعطاء دروس خاصة لجبران مما فتح أمامه أبواب المعرفة الفنية وزيارة المعارض والاختلاط مع بيئة اجتماعية مختلفة تماماً عما عرفه في السّابق .

كان لـ ( داي ) فضلُ اطّلاع جبران على الميثولوجيا اليونانية ، الأدب العالمي وفنون الكتابة المعاصرة والتصوير الفوتوغرافي ، ولكنّه شدّد دائماً على أنّ جبران يجب أن يختبر كل تلك الفنون لكي يخلص إلى نهج وأسلوب خاصين به . وقد ساعده على بيع بعض إنتاجه من إحدى دور النشر كغلافات للكتب التي كانت تطبعها. وقد بدا واضحاً انه قد اختط لنفسه أسلوباً وتقنية خاصين به ، وبدأ يحظى بالشهرة في أوساط بوسطن الأدبية والفنية .
و لكنّ العائلة قررت أنّ الشُهرة المبكرة ستعود عليه بالضرر ، وأنه لا بد أن يعود إلى لبنان لمتابعة دراسته وخصوصاً من أجل إتقان اللغة العربية .

وصل جبران إلى بيروت عام 1898 وهو يتكلم لغة إنكليزية ضعيفة، ويكاد ينسى العربية أيضاً و التحق بمدرسة الحكمة التي كانت تعطي دروساً خاصة في اللغة العربية ، و لكنّ المنهج الذي كانت تتبعه لم يُعجب جبران فطلب من إدارة المدرسة أن تعدّله ليتناسب مع حاجاته، و قد لفت ذلك نظر المسؤولين عن المدرسة ، لما فيه من حجّة وبُعدِ نظر و جرأة لم يشهدوها لدى أيّ تلميذٍ آخر سابقاً .
وكان لجبران ما أراد ، ولم يخيب أمل أساتذته إذ أُعجبوا بسرعة تلقّيه و ثقته بنفسه و روحه المتمردة على كلّ قديمٍ وضعيفٍ وبالٍ .

تعرّف جبران على يوسف الحويك وأصدرا معاً مجلة " المنارة " وكانا يحرّرانها سوية فيما وضع جبران رسومها وحده . وبقيا يعملان معاً بها حتى أنهى جبران دروسه بتفوق واضح في العربية والفرنسية والشعر ( 1902) . وقد وصلته أخبار عن مرض أفراد عائلته ، فيما كانت علاقته مع والده تنتقل من سيء إلى أسوأ فغادر لبنان عائداً إلى بوسطن ، ولكنّه لسوء حظه وصل بعد وفاة شقيقته سلطانة . وخلال بضعة أشهر كانت أمه تدخل المستشفى لإجراء عملية جراحية لاستئصال بعض الخلايا السرطانية . فيما قرّر شقيقه بطرس ترك المحل التجاري والسفر إلى كوبا .
وهكذا كان على جبران أن يهتم بشؤون العائلة المادية والصحية ، و لكنّ المآسي تتابعت بأسرع مما يمكن احتماله ، فما لبث بطرس أن عاد من كوبا مصاباً بمرضٍ قاتل وقضى نحبه بعد أيام قليلة (12 آذار 1903 ) فيما فشلت العملية الجراحية التي أجرتها الوالدة في استئصال المرض وقضت نحبها في 28 حزيران من السنة نفسها .

إضافة إلى كل ذلك كان جبران يعيش أزمة من نوع آخر ، فهو كان راغباً في إتقان الكتابة باللغة الإنكليزية ، لأنها تفتح أمامه مجالاً أرحب كثيرا من مجرد الكتابة في جريدة تصدر بالعربية في أميركا ( كالمهاجر ) ولا يقرأها سوى عدد قليل من الناس و لكنّ انكليزيته كانت ضعيفة جداً ، ولم يعرف ماذا يفعل ، فكان يترك البيت ويهيم على وجهه هرباً من صورة الموت والعذاب ، وزاد من عذابه أنّ الفتاة الجميلة التي كانت تربطه بها صلة عاطفية ، وكانا على وشك الزواج في ذلك الحين ( جوزيفين بيبادي ) ، عجزت عن مساعدته عملياً ، فقد كانت تكتفي بنقد كتاباته الإنكليزية ثم تتركه ليحاول إيجاد حل لوحده ، في حين أنّ صديقه الآخر الرسام هولاند داي لم يكن قادراً على مساعدته في المجال الأدبي كما ساعده في المجال الفني .

وأخيراً قدمته جوزفين إلى امرأة من معارفها اسمها ماري هاسكل (1904) ، فخطّت بذلك صفحات مرحلة جديدة من حياة جبران .

كانت ماري هاسكل امرأة مستقلة في حياتها الشخصية وتكبر جبران بعشر سنوات ، وقد لعبت دوراً هاماً في حياته منذ ان إلتقيا ، فقد لاحظت ان جبران لا يحاول الكتابة بالإنكليزية ، بل يكتب بالعربية أولاً ثم يترجم ذلك ، فنصحته وشجّعته كثيراً على الكتابة بالإنكليزية مباشرة ، وهكذا راح جبران ينشر كتاباته العربية في الصحف أولاً ثم يجمعها و يصدرها بشكل كتب ، و يتدرب في الوقت نفسه على الكتابة مباشرة بالإنكليزية .

 



عام 1908 غادر جبران إلى باريس لدراسة الفنون وهناك إلتقى مجدداً بزميله في الدراسة في بيروت يوسف الحويك ، و مكث في باريس ما يقارب السنتين ثم عاد إلى أميركا بعد زيارة قصيرة للندن برفقة الكاتب أمين الريحاني .

وصل جبران إلى بوسطن في كانون الأول عام 1910، حيث اقترح على ماري هاسكل الزواج والانتقال إلى نيويورك هرباً من محيط الجالية اللبنانية هناك والتماساً لمجال فكري وأدبي وفني أرحب ، ولكنّ ماري رفضت الزواج منه بسبب فارق السن ، و إن كانت قد وعدت بالحفاظ على الصداقة بينهما ورعاية شقيقته مريانا العزباء وغير المثقفة .

وهكذا إنتقل جبران إلى نيويورك ولم يغادرها حتى وفاته ، و هناك عرف نوعاً من الاستقرار مكّنه من الانصراف إلى أعماله الأدبية والفنية فقام برسم العديد من اللوحات لكبار المشاهير مثل رودان وساره برنار وغوستاف يانغ وسواهم .

سنة 1923 نُشر كتاب جبران باللغة الإنكليزية ، وطُبع ست مرات قبل نهاية ذلك العام ثم تُرجم فوراً إلى عدد من اللغات الأجنبية ، ويحظى إلى اليوم بشهرة قل نظيرها بين الكتب .

بقي جبران على علاقة وطيدة مع ماري هاسكال ، فيما كان يراسل أيضا الأديبة مي زيادة التي أرسلت له عام 1912 رسالة معربة عن إعجابها بكتابه " الأجنحة المتكسرة "، وقد دامت مراسلتهما حتى وفاته رغم انهما لم يلتقيا أبداً .

توفي جبران في 10 نيسان 1931 في إحدى مستشفيات نيويورك وهو في الثامنة والأربعين بعد أصابته بمرض السرطان . وقد نقلت شقيقته مريانا وماري هاسكل جثمانه إلى بلدته بشري في شهر تموز من العام نفسه حيث استقبله الأهالي ، ثم عملت المرأتان على مفاوضة الراهبات الكرمليات و أشترتا منهما دير مار سركيس الذي نُقل إليه جثمان جبران ، وما يزال إلى الآن متحفاً ومقصداً للزائرين .


اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي

اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي

* مراجع مهمة : 1 - 2- 3- 4
 
 
 
 
 
 
 


Add a Comment

اضيف في 26 سبتمبر, 2007 06:47 ص , من قبل صوت ؟؟
من لإمارات العربية المتحدة said:

عزيزي .. بداية يطيب لي أن أهنئـكَ على رهافة الحـس الأدبي لديك .. والذوق في انتقـاء هذه الرائعـة المملوءة بكل التفاصيل التي ذكرتهـا ..
لحسن الحظ أنه معي نسخة من هذه الرواية لم ألبث اقتنائها الا منذ أيام ، وفي الحقيقة لم أكمل قراءتها كاملة لضيق وقتي .. لكن لدي فكرة بمحتواها وأحداثها الحزينة وأنا حريصة على قراءتها كلها في أقرب فرصة ولم أتوانى عن تحميلها من هنـا ..
فمضمونها جدا مهم ومصقول بأساليب لغوية كثيرة مثل التشبيهات والاستطرادات
التي تعطي الرواية وحياً آخر وتشد القارىء لمتابعة القراءة لـ إندماجه بخيال وعاطفة جبران.
كما أن هذه الرواية تجعل قارءها يطير في فضاء العاطفة والخيال ..
وبعد اطلاعي على هذه الرواية ازدت شوقاً للاستزادة من مؤلفات هذاالكاتب المبدع وقراءتهـا ...

فـ لكَ يامن تروج للجمال والاحسـاس ..
أطيب تحية و الشكر العميق المنبثق من أعماق القلب

اضيف في 09 فبراير, 2008 02:40 م , من قبل naelkhalil
من المملكة العربية السعودية said:

تقديمٌ موفّق يليق بقيمةِ الكاتب و الرواية .. و كما تفضلتِ فأبرز ما يقدمه لنا ( جبران ) في مؤلفاته هو جناحين من إحساس يحلقان بنا في فضاءات العاطفة و الخيال ، عدا عن مجموعة من التعاليم الروحية التي تصقل شخصية أيٍّ منا بغض النظر عن إختلافنا العقائدي الكبير و الواضح في بعض ما سوّق له إلا أننا دوماً نقول باستخلاص المفيد و التعلم منه حتى و لو كان باتقائه خاصة فيما يتعلق بعقيدة الشخص و مسلماته التي لا يجوز أن تدفعنا العاطفة و الرغبة في تجربةِ حدثٍ مر به الشاعر أو الكاتب في إحدى مؤلفاته إلى الدخول في دائرةِ الخطوط الحمراء دينياً أولاً ، و إجتماعياً ثانياً ..

عزيزتي الغالية ..

صوت ( ... )

كم كنت أن أتوق لأن أكون مجرد صدىً لصوتٍ جميلٍ و راقٍ بحضورهِ و غيابهِ !!

من كل قلبي .. سأنتظرك ها هنا كلما سنحت لك الفرصة ، عديني أن تلبي !

دمتِ بخير إلى الأبد .. لأنّكِ تستحقين !

اضيف في 15 اكتوبر, 2008 09:31 م , من قبل natalymix
من المملكة العربية السعودية said:

اخي العزيز اشكرك من كل قلبي
كنت ابحث عن كتابات جبران للاسف لم اجدها
وهذه الرواية بالذات هي من عرفتني بجبران فلقد قرات مقتطفات منها واعجبتني فعلا جبران مبدع ونحن في هذا الزمن نفتقد لكاتب وشاعر ومبدع مثله
فاشكرك مرة اخرى على وضعها هنا
تقبل مروري

اضيف في 15 نوفمبر, 2008 02:07 م , من قبل نائل شيخ خليل said:

الصديقة الكريمة natalymix :

مرحباً بكِ في مدائنِ جبران ، ذلك الفيلسوف العظيم و المفكّر الخلاق و الشاعر الشفّاف و الرسام المبدع ..

لا أبالغ عندما أقول أنّ القراءة كانت صاحبة الفضل الأول في الخروج من المدارس التقليدية التي قضينا فيها سنوات عمرنا في كلّ مراحلها الأولى ثم المتوسطة ثم الجامعية ، دون أن نستفيد حق الإستفادة لا من هذه الشهادات التي تراكمت في أدراجنا المخصصة للأشياء القديمة و البالية ، و لا من خلال ما تعلمناها فيها لسوء منهجة المواد التعليمية التي تقدّم لنا بطرقٍ جافةٍ و بالية .

كانت القراءة صاحبة الفضل الأول علينا في الخروج من هذه المدارس ، للدخول في مدراس العظماء و تجاربهم ، و التتلمذِ على أيديهم ، و محاولةِ تبني شعاراتهم و حمل لواء ثوراتهم فيما لو أتفقنا معهم فيما يطرحون و يبدعون .

جبران .. إنسانٌ مدهشٌ ، علمنا الكثير مما فشل في تعليمنا إياه كلّ ( الأساتذة ) الذين تناوبوا على تعليمنا ، و أكثر ما أتقنهُ جبران هو أنسنة قارِئهِ و لو كان يملِك حداً أدنى من الإستعداد لهذا الدرس العظيم ..

( أنسنة الإنسان !! )

صديقتي ..

تشرّفتُ بما طرحتهِ في هذا الموضوع بالذات لمكانةِ جبران عندي ، و أعِدُكِ أن أقدّم لكِ المزيدِ من روائعهِ و بالذات كتابهُ
( النّبي ) الذي عرفتُ من هويتكِ أنّكِ تتمنين قراءته .

تحية طيبة لكِ .


اضيف في 12 يونيو, 2009 06:39 م , من قبل rohaif
من المملكة العربية السعودية said:

إلى الصديق باية أشكرك اشكرا جزيلا على هذا المجهود فأنا فعلا بدأت اقرأ لجبران خليل جبران منذ فترة وجيزه ولكن لا أجد كتبه متوفرة وأنا أبحث عن كتاب النبي الذي لم أجده لا في المكتبات ولا على صفحات النترنت فأرجو منك المساعده لانني قرأت تعليقا تقول فيه بانك سوف تكتبه وشكرا جزيلا لك مع التمني بأن تكتب جميع كتب هذا الانسان الرائع الحساس

اضيف في 15 يونيو, 2009 10:03 م , من قبل رسول الإحساس said:

صديقتي ..

هنيئاً لكِ باختياركِ ذلك المعلّم لتتلمذي على يديهِ ، و لا شكّ أنّك لمستِ في نفسكِ بفضلِ تعاليمهِ ثورةً تهيّأ نفسها لتقودَ حياتكِ نحو الأفضل ، و الأجمل .

طلبُكِ بخصوصِ كتابِ ( النّبي ) ستجدينهُ في صندوقِ بريدكِ كاملاً و مرتباً بطريقةٍ ترضيكِ ، و تريحكِ في القراءة ، و أنا أستبقُ بذلك تقديمي لهُ في موضوعٍ مستقلٍ هنا لكن لم يحن موعدهُ بعد ، و لكنّني آثرتُ أن ألبّيكِ لما وجدتُ من لهفةٍ لديكِ لقراءةِ هذا الكتاب المدهش بمحتواه .

ابقي قريبةً هنا ... لتتابعي على صفحاتِ هذه المُدونة ما يرضيكِ و يُسعدكِ و خاصةً فيما يتعلق بالأديب و الفيلسوف و المُفكر جيران خليل جبران .

تحياتي لكِ .

اضيف في 03 اكتوبر, 2009 07:09 م , من قبل عاشقة السماء
من مصر said:

اشكر من وجهنى لقراءة هزا الكتاب وهو الاستاز كريم

اضيف في 14 مارس, 2010 07:16 م , من قبل Msafr77
من قطر said:

أخي..............
أشكرك على هذه المدونة بمافيها ومن فيها..
أشكرك فالمبدع جبران هو ......
جبران مبدع الحس والمشاعر الروحانية..
جبران الحياة الصافية ...
جبران الألم والأمل في كتاباته...
جبران الخيال الحقيقي إذا صح تعبيري...
هذا الكاتب والأديب الرائع في كتاباته من لامس داخلي ونظم حياتي ومشاعري وتمردي على واقع حياة تشوبه قيما لا قيم مبادء لا مبادئ ..
قرأت له الأجنحة المتكسرة والأرواح المتمردة في مراهقتي وحتى الأن لا تفارقني أحساسيس تعابيره وجمل وصفه ...
مع جزيل الشكر ....

اضيف في 25 مارس, 2010 10:38 م , من قبل نائل شيخ خليل said:

الصديقة عاشقة السماء :

تحياتي لكِ و للأستاذ كريم .
جبران خليل جبران في ( الأجنحة المتكسرة ) مبهرٌ و مؤثّرٌ و رائع . و كما فعل معكِ أستاذك أفعل أنا مع كل الأحبة المقربين لتكون هذه الرواية هي أوّل ما أنصح بقراءتهِ .

شكراً جزيلاً لحضورك .


اضيف في 25 مارس, 2010 10:47 م , من قبل نائل شيخ خليل said:

الصديق الغالي مسفر :

إحساسكَ رائعٌ جدّاً في تقييمك لكاتبنا المُدهش ، و كما تفضّلتَ فإن خصوصية فكرهِ و رقيّ أخلاقهِ و قناعاتهِ و أسلوبَهُ المستخدم في تقديمِ كلّ ذلكَ و تدريسهِ لنا ، كلّ ذلك يجعلهُ مؤثّراً و فاعلاً إيجابياً في أسلوب حياتنا و طريقةِ إدارتنا للأمور و نظرتنا للأشياء و للكائنات و للأشخاص و للكون و للوجود ، و يقرّبنا من الله الذي أبدع كلّ هذا .

توقيعكَ هنا غالٍ جدّاً على قلبي ، و إشادتكَ فخرٌ لي و لمدونتي .
كلّ الحب لكَ و كلّ التّقدير .



Add a Comment

<<Home