

قبل عشرِ سنواتٍ تقريباً ، و في إحدى ساحاتِ الجّامعة جمعني حديثٌ شيّقٌ مع أحد الأصدقاء الذي يكبُرُني عمراً و يزيد معرفةً عن معرفتي الأدبيةِ بالذّات ، حديثٌ أخذنا إلى الثقافةِ و الأدب و الشّعر و لمّا طرقنا بواباتِ الرواية قال لي :
(( إذا أردتَ أن تقرأ ، فأنصحك بـ ( مئة عامٍ من العزلة ) لـ ( جبرييل جارسيا ماركيز ) ، أتدري أنّك إذا بدأتها فلا بدّ أن تُنهيها ، تماماً كما حدث معي إذ أنهيتُها بليلةٍ واحدةٍ قبل أن أنام منتشياً عند الفجر بقراءة روايةٍ كانت تستحق أن أُفردَها بسهرةٍ استثنائية ! )) .
و من يومها .. و رغم اعترافي بأن هناك ثقباً صغيراً غير مرئيٍّ في ذاكرتي ، إلا أنّ اسم هذه الرواية و اسم كاتبها لم ينفذوا من هذا الثقب !!
و ساهم في ذلك أنني صرتُ لمّا ألمح اسم الكاتب في إحدى الصحف التي كُنتُ مدمناً على قراءتها ، كُنتُ أتعمّد أن أتصفّح برويةٍ كلّ الذي كُتب ، و مما أكدّ لي حسن نصيحةِ صديقي أنني لم أقرأ مرّة عن هذا الروائي الأسطورة إلا و كانت ( مئة عامٍ من العزلة ) تستأثرُ أغلب الحديثِ عن الظروف التي سبقت كتابتها و الوقت الذي استهلكته فكرتها ثم كتابتها ، و الأجواء الاحتفالية التي رافقت صدورها و تبعتها حتى تاريخنا المعاصر ، حتى اعتبرها كُثرٌ أنّها من أعظم الروايات التي كُتبت في التاريخ .. !
و رغم قراءتي الكثير من المقالات النقدية المكثّفة عن الكاتب ، و إطّلاعي على العديد من كتاباتهِ و كذلك مذكراته خاصة الجزء المهم الذي يتعلق بحديثه عن ( مئة عام من العزلة ) إلا أنني لم أتمكن من قراءة هذه الرواية ( الضّجة اللذيذة ) في عالم الرواية و الأدب العالميين إلا .. البارحة !!!
كلّ مرة كان ظرفٌ ما يمنعني عن اقتنائها ، و ما أذكرهُ أنني في آخرِ زيارةٍ لي لسورية في إجازتي صيف عام 2006 ، و لحسن الحظ واكبتُ معرض الكتاب الدولي في مكتبة الأسد بدمشق ( معرض عالمي أصبح من أهم المعارض في الشرق الأوسط ) ، كانت الرواية أبرز أهدافي و إحدى أولوياتي في قائمةٍ طويلةٍ من الكتب و الموضوعات و الأسماء ، و بعد أن وجدتها و قبل دفعِ ثمنها ، أصابني الوسواس الرهيب ( مرض لذيذ ومتعب في آن ) الذي يصيبني كلّما أردت شراء شيءٍ مهمٍ يخصّني ، ذلك أنّ جودة الصفحاتِ و الطّباعة لم تكن بالشكل الممتاز ، فكان أن أعدتُها إلى الرّف على موعدٍ مع دارِ نشرٍ أخرى ، تبيع الرواية بترجمةٍ أخرى و بجودةٍ أفضل ، و لأنّ موعد إغلاق المعرض في فترته الصباحية قد أزَفَ ، و لحرصي أن لا أشتري مستعجلاً أيّ كتابٍ من الكتبِ التي وضعتها في قائمتي ، غادرت على وعد العودة في صباح اليوم التالي ( لكون الزحام أقل وطئاً و التجوال أسهل في هذا الوقت ) ، و غادرت و معي كتابٌ واحد ( سأخون وطني لـ محمد الماغوط ) .
و لأن وقت قراءة الرواية لم يحن ، لأن وقت شرائها لم يحِن أيضاً ! ، فقد أُجبرتُ على السّفر إلى ( السعودية ) مكان عملي لحدثٍ طارئٍ أفسد كل المواعيد المرتبة بما فيه موعد ( المعرض و مئة عامٍ من العزلة ) ، و مع الفجر كُنتُ مستقلاً سيارة تكسي إلى العاصمة الأردنية و منها برّاً إلى مدينةِ الدّمام في السّعودية .. !
و رغم معرفتي أنّني فيما لو اجتهدت لحصلت على الرواية هنا في إحدى المكتبات ، إلا أنني لم أفعل متكاسلاً قبل أن أكتشف أنني لم أكنْ لأُفلِحَ في الحصول عليها لكونها ممنوعة هنا في السعودية ! .
و انتظرت الصّدفة أن تحقّق رغبتي في قراءتها ، حتى وجدتها الكترونياً في أحد المواقع و لكن و رغم محاولتي لتحميل أجزائها الأربعة ( في هذا الموقع قُسّمت بهذه الطريقة و لا أعرف لماذا !! ) إلا أنّ كلّ محاولاتي باءت بالفشل !!!
و مرة أخرى عثرت عليها في أحد المواقع .. و أيضاًَ لم أنجح في تحميلها لمشكلةٍ في الموقع المستضيف !!!
حتى جاء الفرج عندما وجدتها ذات مرةٍ في أحد المواقع و قمتُ بتحميلها كاملة ( غير مجزّأة ) و بعد أيام عثرتُ على ترجمةٍ أخرى لها في موقعٍ آخر و حمّلتها انتقاماً من عُسرِ المرّات السابقة !!
و بقيت الرواية في مكتبتي الإلكترونية لرغبتي القديمة أن أقرأها عبر كتابٍ ورقيٍّ ممتعٌ تقليبُ أوراقهِ لا عبر شاشة ، حتّى فشلتُ في استمرار مقاومتي قبل يومين فقط ، إلا أنّني لم أكن بقوة و صلابة صديقي فقرأتُها على جزأين و ليومين متتاليين ، و استغرقت معي ستّ ساعاتٍ ( ثلاث ساعات في كلّ مرّة ) للقراءة المتأنّية جداً مع العودة للمقاطع المهمّة أكثر من مرة .
أعتذر منكم .. على هذه المقدمة خاصة إن رأيتموها مملّة !! و الآن إلى التقديم ..
مئة عامٍ من العزلة .. كيف كانت !
* هذا القسم من المقال منقول بتصرف من مصادر تذكر لاحقاً
" ماكوندو" هي البلدة التي تدور فيها أحداث " مائة عام منالعزلة "، والموقع الجغرافي الحقيقي لـ ( ماكوندو ) ، يقع على أرض أمريكا اللاتينية في مخيلة ماركيز .
فوراً بعد لحظة التنوير تلك بدأ الروائي الكولومبي ( ماركيز ) في كتابة روايته " مائة عام من العزلة " ، كان يكتب يومياً ، ولم يتوقف عن الكتابة لمدة 18 شهرًا متواصلة ، كرّس نفسه كلياً للكتابة حتى أنه توقف عن العمل لإعالة أسرته واضطّر لبيع كل ممتلكاته من أثاث وأجهزة منزلية ، كما تراكمت عليه الديون .
( ماكوندو ) هي المدينةُ / العالم التي أعاد ماركيز بناءها بكل ما يحمل في قلبه من ذكريات الطفولة وبيت النمل وحكايات الجدّة ، والموتى الأحياء ، وبالنبرة ذاتها التي كانت تحكي بها الجدّة الحكايات تحدّث ماركيز عن الحرب والعنف وضياع المبادئ وسط الثورات الدامية والخلافات الأيدلوجية التي كانت تفتك ببلاده .
هذه القرية المعزولة في أمريكا الجنوبية ( ماكوندو ) , تجري فيها أحداثٌ غريبة غير واقعية لكنها تنخرط في سياقٍ طبيعيٍ ضمن الرواية دون استهجان من شخوصها , ومن هذه الأحداث عودة الأرواح بأجسادها الى الحياة مرة أخرى مصرّة على التعلّق بأماكنها ومقتنياتها ! .
نُشرت مائة عام من العزلة عام 1967، بِيعَ منها على الفور 8000 نسخة آنذاك ، وبعد مرور 3سنوات على نشرها كان قد بِيعَ نصف مليون نسخة ، وترجمت إلى أكثر من 40 لغة ، حتى وصل عدد النسخ حسب تقديرات عديدة إلى أكثر من 25 مليون نسخة !! وحصلت على 4 جوائز توّجت بحصول الكاتب على جائزة نوبّل للآداب 1982 ، و حوّلته إلى أشهر كاتب في أمريكا اللاتينية ، و واحدٍ من أشهر كُتّابِ العالم ، و حتى عام 2007 كانت إحدى أكثر عشرة روايات مبيعاً في أمريكا اللاتينية حسبما تؤكده قوائم رسمية تم نشرها ، مؤخراً في عاصمة باراغواي ( أسونسيون ) رغم مرور أكثر من أربعين عاماً على صدورها !!!
و قال مالك فرعٍ لإحدى شركات مبيعات الكتب في هذه العاصمة أن "سحر هذا العمل سيدوم لقرونٍ من الزمن " ، وقد رعت الأكاديمية الملكية الاسبانية وأكاديميات اللغة الاسبانية على امتداد العالم هذا العام طبعة خاصة بلغت مليون نسخة !!
و في آذار 2007 قام (125) مثقفاً من بينهم الروائي والمخرج الأمريكي ( ستيفن كنغ ) صاحب رواية ( الميل الأخضر ) باختيار أفضل (20) رواية في تاريخ الأدب العالمي , آخذين بعين الاعتبار مدى أهمية ومساهمة هذه الأعمال في إثراء الأدب .
وبرزت من قائمة الاختيار رواية " مئة عام من العزلة " باعتبار أن مؤلفها هو الوحيد ممن تم اختيارهم ، لازال على قيد الحياة فقد أتم عام 2007 الثمانين من عمره , ثم أن صحيفة ( ريبوبليكا ) الايطالية أجرت استطلاعاً للرأي احتلت فيه " مئة عام من العزلة " المرتبة الأولى كأفضل رواية من الروايات العشرين المختارة .
وفي شهر نيسان 2007 كشف ( ماركيز ) أسرار ( مئة عام من العزلة ) وما لاقى من صعوبات مادية في إرسال مخطوط الرواية إلى دار النشر وكيف رهنت زوجته ( مرسيدس ) بعض أدوات المنزل ليتسنى لهما إرسال المخطوط , حتى أنها شرعت برهن خاتمي الزواج في سبيل الرواية التي استمرّ ( ماركيز ) سنة و نصف في كتابتها بانياً عليها كل آماله في تسديد الديون التي ترتبت عليهما من تكاليف معيشية أثناء فترة الكتابة حتى خرجت للنور عام 1967 .
ومما قيل فيها :
- (( هذه الرواية كاسحة تتسم بالألق الفوضوي ، و هي أقرب إلى الشعر منها إلى النثر ، بل هي ملحمة موسيقية لا متناهية )) التايمز
- (( هذه الرواية عمل أدبي غني ، مكثّف كالأدغال ، حافل بالوهم المتواضع ، زاخر بالفعل ، ثري بالمرح الحزين ، يتدفق بالأحداث و الفلسفة و التأمل ، حتى ليدفعك إلى العجب )) صنداي تايمز
- (( تصحو ، بعد قراءة هذه الرواية الرائعة ، كمن يصحو من حلم ، عقلك و خيالك جامحان بل ملتهبان .. و أمامك غابرييل غارسيا ماركيز العملاق كخياله و جبريته و عظمته ، فهو و الرواية مدهشان )) نيويورك تايمز
- (( قليلة هي الروايات التي تغيّر حياة الناس , وهذه الرواية واحدة من تلك الروايات )) الغارديان
- (( هذه الخبرة لا تعدلها , في الغنى خبرة أخرى )) فاينانشال تايمز
- (( إنّها أعظم نص كتب باللغة الإسبانية منذ " دون كيشوت " )) الشاعر بابلو نيرودا
- (( حينما قرأت المائة صفحة الأولى من كتاب ( مائة عام من العزلة ) بدأت سريعاً في كتابة ما أحسست به قائلاً : لقد انتهيت للتوِّ من قراءة الإنجيل الأميركي اللاتيني ، وأحيي فضلاً عن ذلك العبقرية الحارة والمؤثرة لأحد أصدقائي الأكثر حميمية )) الروائي المكسيكي كارلوس فوينتس .
دون أن أغفل أن العديد من النقاد و الباحثين هاجموا الرواية في فتراتٍ متعددة ، مثل ذاك الذي كتب في ( صنداي تلغراف ) يقول أنه يعتبرها من أكثر الأعمال التي بُولغ في تقديرها على مرّ العصور.، و هذا ما رآه أيضاً العديد من قرّاء هذه الرواية خلال بحثي العميق عن تفاصيلها و آراء النقاد فيها ..
و الآن أورد لكم رأياً لكاتبـة أردنية هي ( بسمـة فتحي ) ، صاغته بإحساس عالٍ فلنقرأ الرواية على طريقتها خاصة أن فيها شبهاًً ما بتفاصيل قصتي مع الرواية :
(( آب 2003 ، الواحدة فجراً
انتهيت منها ، و رغبة عارمة في البكاءتنتابني..!
هذه الأحرف الأولى و الأخيرة التي كتبتها فجر يوم الجمعة ، علىالصفحة الأولى من رواية " مئة عام من العزلة " للأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز.
كنت قد ابتعتُ هذه الرواية لقراءتها قبل عام بالضبط بناء على نصيحة وتزكية أحد الأصدقاء، و استعارتها زميلة لي قبل أن أقرأها و أعادتها بعد أشهرٍ أربعة ، و بعد ذلك ، كلما هممتُ بقراءتها ، واجهت بعض صعوبات لكثرة التفاصيل وزخمها منذ الصفحات الأوائل، الأمر الذي جعلني أمسك شيئاً آخر أقرأه ، و لكننيقررت قراءتها أخيراً.. و فعلت...
انتهيت منها، منذ قرابة أسبوع، و استغرقت مني وقت قرابة الشهر..!
والغريب أنني كلما بدأت ( الآن ) بقراءة شيء آخر ، أشعرأنها ليست بمستوى " مئة عام من العزلة "، فأتركه و أعاود قراءة أحد فصولها ، و خاصةالفصل الأخير منها، و الفصول الأولى .
أتمنى لو أستطيع التحدث عنها باستفاضة و لكنني للأسف لا أستطيع ، و أعترف هنا أنني لا أستطيع بسبب عجزي و قصور قدرتي في التحدث عن عمل رائع مدهش كرواية " مئة عام من العزلة " و أديب عالمي مثل " ماركيز"، ولا أدري لماذا أستسيغ إطلاق لقب " الشيـطان " عليه و أجده أقل ما يوصف به إنسان قادرعلى مطاوعة الحرف لدرجة لا تصدق .. !
إنسان له قدرة على أَسْطِرة الواقع، حبس أنفاس القارئ حتى الحرف الأخير من الرواية دون كلل أو ملل أو حتى شعور بترهل ببعض الفقرات !!
هذا الأديب ( الشيطان ) يؤمن (( بأن الأدب الجديد يجب أن يكون ملتزماً يحرض القارئ ويوعيه دون وعظ أو تلقين )) . و هذا بالضبط ما لمسته حين قرأت رائعته " مئة عام من العزلة " و التي حاز على أثرها بجائزة نوبل للآداب عام 1982.
النسخة التي بين يدي، من ترجمة الدكتور محمد الحاج خليل، المولود في عكّاعام 1937، و الذي عمل جلّ حياته في ميدان التعليم و الترجمة، و الذي يقول عن رواية مئة عام من العزلة: " هذه الرواية من أجمل ما قرأت، و هي على الرغم من سمة العزلة التي تنسحب عليها ، حتى اختارها لها كاتبها اسماً ، و على الرغم من الحتمية التي ينظر بها المؤلف للأمور من زاويته ، اشبه ما تكون بالحياة : شائقة و شائكة، بسيطة ومعقدة، متفائلة و متشائمة، حلوة و مرة. إنها ككل الأدب الرفيع، جديرة بأن تقرأ و ككلالحياة تستأهل أن تُعاش )) .
و قرأت أيضاً للكاتبة الأردنية ( رقيّة كنعان ) ما أعجبني و رأيت أنّه أقرب ما يكون إلي حيث قالت في تعقيبها على أحد المستاءين من الرواية :
( مائة عام من العزلة ، ليست أفضل روايات ماركيز ... ومنذ قرأت "سرد أحداث موت معلن" وأنا متيقنة من ذلك ، وهي كما علمت وجهة نظر الكاتب نفسه ، وإن اختلف النقاد معه !!
هذا لا ينفي عن مائة عام من العزلة ريادتها في طرق تكنيك روائي جديد هو " الواقعية السحرية " غير المسبوقة وملامسة أعقد القضايا المعاصرة الوطنية بعالم هو للسحر أقرب ولا تكتشف ذلك إلا مع النهاية..
ولا أخفيك أنني وأنا أقرأ لم تعجبني حكايا الغجر ، لم يعجبني عودة الموتى للحياة ، لم تعجبني أساطير الرجل الأفعى وبساط الريح ، لم يعجبني طيران ريميديوس الجميلة و ارتفاعها في السماء ، لم يعجبني أن الغجري ملكيادس تنبأ بحياة سلالة كاملة جاءت حياتها تطبيقاً لتنبؤاته بطريقة جعلت تنبؤات نوستراداموس تتراجع مرتبة كبيرة ، لم يعجبني تكرار الأسماء في آل بوينيديا لدرجة أربكتني وجعلت أعيد الصفحات لأتأكد من الشخصية كل مرة .. ولم يعجبني انكماش حجم اورسولا لتغدو بحجم رضيع ، ولم يعجبني انكماش الحوار بين الشخصيات... ربما لأن ذلك بكل بساطة لم يتفق مع مفهومي البسيط للرواية كقارئة .. وبدا لي ( غريباً ) وكأني أنتظر أحداثا حقيقية . .
غير أني مع نهاية الرواية وجدت كل ذلك ثانوياً .. وسمحت لنفسي بالكثير من الخيال عندما فكرت في الرمز الذي يرمي له الكاتب من كل كلمة وهو لا يكتب كلمة عبثا !
التكنيك جديد وخيباتنا واحدة ..
فكل الخيبات الفردية والأسرية والثورية والوطنية وجدتها في مائة عام من العزلة
وكل الواقع كان هناك ، وإن ظهرت شعوذات السحر خلال السطور ..
فلا تلُمني إن قلت أنها رواية رائعة بمعنى الكلمة ، وأنها تستحق ما غُطّيتبه إعلامياً وأكثر،ولا أعفي الترجمة السيئة من الدور في تنفير قارئ من رواية ) .
أما عني أنا !!
منذ اللحظة الأولى أكتشفتُ أنني لا بد أن أمسك ورقةً بيضاء أدوّن عليها بعض التفاصيل المهمة و خاصة شجرة العائلة التي تمثّل ثلاثة أجيالٍ تدور أحداث الرواية على الصراعات و التناقضات فيما بينها ( أنصح كل من يريد أن يقرأ هذه الرواية أن يرسم شجرة العائلة ليعود إليها خلال القراءة نظراً لتشابه أسماء أبطال الرواية المتعمّد على ما أعتقد من قبل الكاتب لغايةٍ بنفسه !! ) ، و كان لا بدّ لي مراراً من أعيد قراءة مقطعٍ ما لأستوعب الحدث الذي صنعه ( ماركيز ) حتى ليكاد يجعلك تتقمّص دور أحد الشخوص في مكانٍ ما ، قبل أن تبحث عن الهرب السريع من ثوبِ هذه الشخصيةِ أو تلك !!
روايةٌ عميقة جداً ، فيها أحداثٌ لا أتفق مع من قال أن الكاتب بالغ في سردِ تفاصيلها بل أنني أجد أنّه لم يدع للقارئ وقتاً ليريح أنفاسه أو ليشرب كوباً من الماء أو ليحكّ رأسه !!
رواية مفاجئة بأحداثها ألا تقليدية ، و دوماً كان يقودنا الكاتب إلى توّقعِ حدثٍ ما بعد سلسلة أحداث ليفاجئنا بغير الذي توقعناه تماماً !!
رواية أعتمد فيها الروائي على ( أسطرة ) الواقع ، و وضعه في سياقٍ يقنع القارئ أن هذا قد يحدث !!
و لذا فقد قال ( ماركيز ) في أكثر من مناسبة : " الخيال هو تهيئة الواقع ليصبح فناً " وأيضاً "الغرائبي يأخذني ولا يبقى من الواقع إلا أرض القصة "، ولكنّه يوضّح في مكان آخر فيقول عن ( مائة عام من العزلة ) : " إنها تنتمي إلى أدب الهروب من الواقع ، كنت أود التعبير عن الإرادة الواعية ، لا أن تعدم الواقع . ولكن علينا أن ندرك أنها لم تصالح الواقع " ، و يستطرد : " ليس قول الناس أننا نتهرب من الواقع معقولاً ، فمن يطالع إنتاجنا في روية يعرف أننا مسيّسون ومتورّطون أكثر من أسلافنا " . وعن النقطة ذاتها يشرح قائلاً :" أعتقد أن سبر أغوار الواقع ، دون أحكام مسبقة عقلية ، يبسط أمام روايتنا بانوراما رائعة . ومهما اعتقد بعضهم أن منهجنا هروبي ، فإن الواقع سيثبت - إن عاجلاً أو آجلا ً - أن المخيّلة على حق" .
و لذا و رغم أنني فوجئتُ بالكثير من الأحداث الخرافية و التي لا تروق لي عادةً إلا أنني و مع تقدمي بالقراءة صفحةً وراء أخرى ، كنتُ أكتشف أنه طوّع الخرافة ليخدم النص ، و يصل بنا أن نؤمن بفكرتهِ التي كتبها ، لأنه دوماً و في نهايةِ كلِّ حدثٍ مهمٍ و مفصلي في الرواية كان يلقمنا حقيقة ما ، قد لا تروق لنا و لا نصدقها إلا بالأسلوب الذي أستعمله هو .
بالنهاية .. أنا سعيدٌ حقاً لأنني قرأت هذه الرواية و لأنني مع من قال ( إذا أردت أن تحكم على روايةٍ ما فيجب أن تقرأها ثلاث مرّات ) و لذا فأنا لا أستبعد أبداً أن أكرّر مغامرتي المتعبة حقاً في قراءة روايةٍ صعبةٍ و عصيّةٍ على التفسيرِ لمجرد قراءة واحدة .. مع ضرورة التنبيه أنّ الرواية تعتمد الأسلوب السردي لا الحواري ، و لذا فقد تبدو صعبة و معقدة خاصة لمن لم يتعود على قراءةِ هذا النمط من الأدب الروائي ، لكن و مع مرور الوقت و بالذات عند انتهاء الرواية سيكتشف القارئ أنّه ممتنٌّ جداً لـ ( ماركيز ) على مجموعةٍ كبيرةٍ من الأفكار التي تعلّمها من خلال هذه الرواية .
مع العلم أن للرواية أكثر من ترجمة عربية و لست قادراً على نصحكم بقراءة أيّاً منها لأنني ببساطة لم اقرأها جميعاً لأفاضل بينها ، إلا أنني سأقوم بوضع ترجمتين للرواية للتحميل و أدلُّ على الترجمة التي قرأتها و راقت لي و لا أعرف إن كان هناك ترجمة ستدهشني أكثر !
من هو جابرييل غارسيا ماركيز ؟
روائي وصحفي وناشر وناشط سياسي كولمبي ، وُلد في 6 مارس 1927في مدينة ( أراكاتاكا ) في منطقة ( ماجدالينا ) ، وعاش معظم حياته في المكسيك وأوروبا ويقضي حالياً معظم وقته في مكسيكو سيتي .
نال جائزة نوبل للأدب عام 1982و ذلك تقديراً للقصص القصيرة والروايات التي كتبها .
بداياته :
بدأ ماركيز ككاتب في صحيفة ( إلإسبكتادور ) الكولومبية اليومية ، ثمّ عمل بعدها كمراسل أجنبي في كل من روما وباريس وبرشلونة و كاراكاس ونيويورك . كان أول عمل له قصة بحار السفينة المحطمة حيث كتبه كحلقات متسلسلة في صحيفة عام 1955 . كان هذا الكتاب عن قصة حقيقية لسفينة مغمورة الذكر عملت الحكومة على محاولة إشهارها . سبب له هذا العمل عدم الشعور بالأمان في كولومبيا مما شجعه على بدء العمل كمراسل أجنبي. نشر هذا العمل في 1970 واعتبره الكثيرون كرواية.
أدبه :
كثيراً ما يعتبر ماركيز من أشهر كتاب الواقعية العجائبية، والعديد من كتاباته تحوي عناصر شديدة الترابط بذلك الأسلوب ، ولكن كتاباته متنوعة جداً بحيث يصعب تصنيفها ككل بأنها من ذلك الأسلوب. وتصنّف الكثير من أعماله على أنها أدب خيالي أو غير خيالي وخصوصا عمله المسمى حكاية موت معلن 1981 التي تحكي قصة ثأر مسجلة في الصحف وعمله المسمى الحب في زمن الكوليرا 1985 الذي يحكي قصة الحب بين والديه .
ومن أشهر رواياته مائة عام من العزلة 1967 ، وقد كتب أيضاً سيرة ( سيمون دو بوليفار ) في رواية الجنرال في متاهة .
ومن أعماله المشهورة الأخرى ( خريف البطريرك ) عام 1975 ، و ( أحداث موت مُعلن ) عام 1981 ، و ( الحب في زمن الكوليرا ) عام 1986.
تم اقتباس رواية ماركيز قصة موت معلن وتحويلها إلى عمل مسرحي في حلبة مصارعة الثيران بقيادة المخرج الكولومبي الشهير ( خورخي علي تريانا ) .
ومن كتبه كتاب اثنتا عشرة قصة مهاجرة يضم 12 قصة كتبت قبل 18 عاماً مضت، وقد ظهرت من قبل كمقالات صحفية وسيناريوهات سينمائية ، ومسلسلاً تلفزيونية لواحدة منها، فهي قصص قصيرة تستند إلى وقائع صحيفة ، ولكنها متحررة من شرطها الأخلاقي بحيل شعرية .
كما أصدر مذكراته بكتاب بعنوان ( عشت لأروي ) والتي تتناول حياته حتى عام 1955, وكتاب ( مذكرات عاهراتي السود ) تتحدث عن ذكريات رجل مسن ومغامراته العاطفية ، والأم الكبيرة .
عام 2002 قدّم سيرته الذاتية في جزئها الأول من ثلاثة وكان للكتاب مبيعات ضخمة في عالم الكتب الإسبانية. نشرت الترجمة الإنجليزية لهذه السيرة أعيش لأروي على يد ( ايدث جروسمان ) عام 2003 وكانت من الكتب الأكثر مبيعاً . في 10 سبتمبر 2004 نشر رواية جديدة في أكتوبر بعنوان ( ذكريات غانياتي الحزينات ) وهي قصة حب سيطبع منها مليون نسخة كطبعة أولى . عرف عن ماركيز صداقته مع القائد الكوبي فيدل كاسترو وأبدى قبل ذلك توافقه مع الجماعات الثورية في أمريكا اللاتينية وخصوصاً في الستينيات والسبعينيات. وكان ناقدًا للوضع في كولومبيا ولم يدعم علنيا الجماعات المسلحة مثل فارك وجيش التحرير الوطني التي تعمل في بلاده .
( * تمت الاستعانة بـ ويكيبيديا، الموسوعة الحرة )
أما أبرز مواقفه فهي إدانته الصريحة و الصارخة للمجازر الصهيونية التي ترتكب بحق الشعب العربي الفلسطيني و أبرزها خلال منحه جائزة نوبل 1982 عندما أعلن عن تخليه عنها بعد بيانٍ جريء قال من ضمنه (أعلن عن اشمئزازي من المجازر التي ترتكبها يوميا المدرسة الصهيونية الحديثة. إنني أطالب بترشيح أرييل شارون لجائزة نوبل في القتل. سامحوني إذا قلت أيضا إنني أخجل من ارتباط اسمي بجائزة نوبل. ومن ثم أعلن عن تقديري غير المحدود لبطولة الشعب الفلسطيني الذي يقاوم الإبادة على الرغم من إنكار "القوة العظمى" أو "المثقفين الجبناء" أو "وسائل الإعلام" أو حتى "بعض العرب" لوجوده. إنني أوقع على هذا البيان باسمي .. ووقع ماركيز على بيان الإدانة الشهير متخليا عن جائزة نوبل للآداب التي نالها عام 1982 ، فاردا أجنحة الصدق لضميره لتسجل موقفها من المذبحة ، وفي تأييده العلني للقضية الفلسطينية ) !!!
أما عن تفاصيل حياته فتفضلوا بقراءتها من خلال المقالات التي تناولت حياة الكاتب و مسيرته الأدبية و التي استعنت ببعضها للحصول على المزيد من التفاصيل عن حياته و لكي لا أكررها أحببت أن أنقل لكم المقالات كما وردت من مصادرها مع ذكر هذه المصادر بالتفصيل :

مئة عام من العزلة
تعد رواية (مئة عام من العزلة) للكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز أكثر الروايات مبيعاً وانتشاراً وقراءة في العالم، قبل أن يصعد نجم روايات هاري بوتر، منهياً امتداد الواقعية الأسطورية لأدب أمريكا اللاتينية، بعد أن ساد عقوداً ثلاثة، ومقدماً بدلاً منه رواية تمزج الأسطورة والسحر والشعوذة بالتاريخ والفلسفة والعلم والتكنولوجيا في إطار فانتازي مذهل، تحول إلى ظاهرة فريدة. فقد قال أحد النقاد عند صدور الجزء الثالث من السلسلة: ( إن جيلاً كاملاً من البشر سيضيف إلى ما يحدد هويته كلمات من التي وردت فيها ! ). وبالفعل لقد أسست سلسلة (هاري بوتر) عالماً كاملاً موازياً بمخلوقاته وقوانينه وحركاته وأفكاره وتاريخه ورياضاته لعالمنا البائس المليء بالحروب والقتل والدمار.
لقد أصبح الناس في الأمريكيتين يتحدثون عن أدب ما قبل هاري بوتر وما بعده، في حين كانوا يذكرون مرحلتين أدبيتين فقط: ما قبل ماركيز وما بعده!
لكن مع ذلك تبقى رواية (مئة عام من العزلة) أهم روايات أمريكا اللاتينية، رغم أنها ليست الكتاب الأفضل في القارة من حيث الأسلوب والبناء الفني والتقنيات اللغوية. فقد مر على نشرها 40 عاماً (نشرت الرواية لأول مرة في 30 أيار 1967)، ومع ذلك لا توجد أية بوادر أو خشية من تقدمها بالعمر، فهي حتى يومنا هذا تشغل بال القراء وتشد انتباه النقاد والباحثين.
إننا أمام حالة نادرة، حالة لن تتكرر بسهولة،حالة فنية راقية تشبه إلى حد بعيد لوحة (الجوكندا) التي لا تقدربثمن! لقد أصبحت رمزاً لتفوق وازدهار أدب قارة بأكملها، من حيث إنها حالة إبداعية ابتكارية، وشهادة حية وواقعية عن أمريكا اللاتينية. فقد مزجت الخيال والأسطورة والسحر بالواقع الدامي والقاسي والعنيف، وبذلك تكون قد قدمت لغير الأمريكيين اللاتينيين طريقة جديدة لتأطير الواقع الذي كان يتم حين ذلك، إما بوساطة كليشيهات هوليود المبتذلة، أو عن طريق الصحافة، حسب الناقد الكندي الجنسية والأرجنتيني المولد ألبرتو منغويل!
قدم غابو (اسم الشهرة لماركيز) بأدبه واقعاً سحرياً مذهلاً عكس فيه واقع أمة حاول أن يوحدها القائد العسكري سيمون بوليفار، لكنه لم يستطع، فوحدها هو برواياته، وربما كان تأثيره أيضاً أقوى بكثير من تأثير صديقه الزعيم الكوبي فيديل كاسترو وخطاباته النارية !
ماركيز الذي توقف عن الكتابة منذ وقت قصير، حفر لنفسه بتلك الرواية العظيمة مكانة بارزة في تاريخ الأدب العالمي، قد تكون بالنسبة له أهم بكثير من نيل جائزة نوبل للآداب عام 1982!
الرواية التي طبعت منها ملايين النسخ، وترجمت إلى أكثر من 40 لغة ، نالت شهرة واسعة واهتماماً منقطعَيْ النظير في مختلف أنحاء العالم، فأنا واحد من الذين قرؤوا الرواية مرتين، ومستعد وكلي رغبة لأعيد الكرة ثانية !
ربما لعبت الترجمة الجيدة والناجحة للرواية إلى الإنكليزية والفرنسية، وكذلك إلى العربية (صالح علماني) دوراً هاماً في انتشارها بمثل هذه الصورة البراقة والواسعة، لتفتح الأبواب على مصراعيها أمام أدب أمريكا اللاتينية، مخرجة كنوزه الأدبية الرائعة من رفوف المكتبات الباردة والمهملة، لتترجم بحِرْفية مميزة، وتعبر القارات والقلوب والعقول، فقد عرف العالم خلال فترة قصيرة جداً كتَّاباً كباراً، أمثال: بورخيس، كيروغا، كاربينتيير، كورتاثر، فارغاس يوسا، ثاباتو، رولفو.
كم نحن بحاجة اليوم إلى رواية عربية بمثل قوة (مئة عام من العزلة) وثقلها ومكانتها، كي تنصفنا وتقدمنا إلى العالم بصورة واضحة وجلية وحية.
رواية تمزج الأشياء بجاذبية نورانية، كما فعلت ذات يوم قصص ( ألف ليلة وليلة ) ، رواية تبهرنا وتبهر العالم، رواية تعيد الألق إلى حياتنا الأدبية العربية التي دخلت غرفة الإنعاش منذ زمن طويل!
بقلم: د. علي حافظ
جريدة النور السورية الأسبوعية - 294 (23/5/2007)
________________________________________
جابرييل غارسيا ماركيز .. المبدع الذي فرّ من غرفة الكتابة حينما قَتَلَ الكولونيل !
تحتاج حياة المبدع الحقيقي على الأغلب الى مؤثرات عميقة وكبيرة تمتلك ذلك الايقاع الدرامي والاسطوري و ربما السحري، كي يتمكن ذلك المبدع لاحقاً القدرة على انتاج كتابة ابداعية تكون بحجم هذه المؤثرات، ذلك ان الحياة الافقية الرتيبة الفقيرة الى سمنة الحادثة، قلما تنتج مبدعاً له ذلك الاثر الكبير على الناس.
ويحتاج المبدع المنذور للكتابة العظيمة أن يولد في مناخ له سحره الاخاذ والممتع وربما الخارق في احداثياته كي تصبح كتابته قادرة على اعادة التشكيل والانتاج في الحادثة الحياتية، وصياغتها بالشكل المدهش الذي يأخذ اللب .
والمبدع حين يولد في قارة رخوة ورجراجة في مناخها وناسها وتشكيلها الإثني والمديني وسحرها المطلسم النائم في اعماق سكانها، وفي وجدانياتهم، فإن حالة الاستنهاض لقواه الابداعية، تكون ذات دفع خاص، له طعم الوخز .
وحينما تكون هذه القارةهي قارة أمريكا اللاتينية، والمبدع هو جابريل جارثيا ماركيز، والمكان هو كولومبيا،فإن شروط احداثيات خرق السائد الكتابي، قد اكتمل حدوثها.
واذا اضفنا الى هذا كله حالة الولادة في الثلث الاول من القرن العشرين، بكل ما حمله ذاك القرن من جنون تسلطي للدكتاتوريات على الشعوب، ومن ثورات وانقلابات ربما كانت فلكلورية، او حتى فكاهية، فإننا نتأكد من حدوث و ولادة قامة ابداعية، خطيرة وساحرة هي قامة المبدع جابرييل جارثيا ماركيز.
والطفل جابرييل امتلك سلفاً كل هذه المعطيات، فقد ولد عام 1928في مدينة "أركاتكا" شمال كولومبيا، لأب كان يعمل في ادارة الهاتف بالمدينة و أم تنتمي لاحدى الأسر الفنية بالاضافة الى قبيلة تتكون من ستة عشر أخاً وأختاً .
وجابرييل الذي امتلك الوجود الايحائي في عائلة ظل الأب يغيب عنها وهو يعد بحدوث معجزات مالية تنقذ العائلة من فقرها الدائم، واخوات كان يقترحهن الاب الجوال، كان عليه ان يعيش في كنف جده الذي توفي وهو في الثامنة من العمر، كي يظل الطفل ماركيز ينام في حضن الجدة وهو يستمع لحكاياها التي كانت تقدح مخيلته السحري كل ليلة بالأساطير التيتحكيها الجدة .
وماركيز الذي داهمه سرطان الغدد اللمفاوية قبل سنوات، وقف قبل اشهر على حافة قارة رخوة و رجراجة ومليئة بسحر الجغرافيا والناس وغموض الايقونات والتوابل الحارة، وأقدم على تقديم استقالته من الكتابة، معلنا توقفه عن الكتابة .
وتوقف ماركيز عن الكتابة تكاد تكون مستحيلة لا لشيء سوى أنه قال بعظمة حبره او لسانه، بأنه يعيش ليروي.
بقلم : خليل قنديل
الأحد - 3 ديسمبر 2006م - العدد / 14041 /- جريدة الرياض السعودية
سيرة ماركيز الروائية ومائة عام من السعادة: السيرة الذاتية تحكي (أنت ما كنتَه) والرواية تقول: (أنت ما تتخيّل)
بعد أيام قليلة من صدور مذكرات غابرييل غارثيا ماركيز توالت ردود الأفعال على (أعيش لكي أحكي)، السيرة الروائية التي يقدمها ماركيز عن نفسه. من بين المقالات والدراسات التي نشرت في الأيام الماضة يبرز مقال كارلوس فوينتس، الكاتب المكسيكي وصديق (جابو). في هذا المقال الذي نشر في جريدتي (البايس) الاسبانية و(لاناثيون) الارجنتينية يكتب فوينتس عن بداية علاقته بماركيز وكيف تعرفا قبل سنوات كثيرة.
المذكرات هي الجنس الأدبي الوحيد الذي يجرؤ علي تسمية نفسه. السيرة الذاتية تقول لنا: (أنت ما كنته)، الرواية تقول: (أنت ما تتخيل). والاعترافات تقول: (أنت ما فعلت). لكن السيرة الذاتية أو الرواية أو الاعترافات تحتاج لذاكرة، فالذاكرة كما يقول شكسبير هي حارس العقل. أقول أنا إنه حارس يتواجد في الحاضر لكي ينظر بوجه إلي الماضي وبوجه آخر إلي المستقبل. البحث عن الزمن المفقود هو أيضا، في النهاية، البحث عن الزمن المرغوب. اليوم في العام الثالث من الألفية الثالثة بعد ميلاد المسيح، يتذكر جابرييل جارثيا ماركيز. لمن سيقولون له يوما: (أنت كنت هذا) أو (فعلت هذا) أو (تخيلت هذا)، يسبقهم هو ويقول: أكون، وسأكون وتخيلت. هذا أتذكره.
في الخمسينيات كنت أدير مع (إيمانويل كاربايو)، (المجلة المكسيكية للأدب)، التي كانت تعادي الشوفينية التي كانت ملتصقة بحياتنا الثقافية. التعاون مع المجلات اللاتينيو أمريكية التي لها روح مشابهة كان إحدي الطرق لكسر الجدار. كانت مجلتان: (اوريخينيس) في كوبا، التي كان يديرها (ثينيتو بيتير)، الذي سمح لي ببدء مراسلات رائعة مع الكاتب العظيم (خوسيه ليثاما ليما). ومجلة (ميتو) التي كان ينشرها في بوجوتا: خورخي جايتان دوران الذي مكنني من الاتصال بالشابين ــ في ذلك الوقت والكاتبين الكبيرين حاليا ــ (ألفارو موتيس) و(جابريل جارثيا ماركيز). عرفت (جابو) قبل أن أتعرف عليه، فقد كان قد نشر (جنازة الجدة) و(مونولج إيزابيل بينما تري المطر في ماكوندو). من هو؟ كيف كان هذا الكاتب اللامع الذي يخرج ما هو استوائي من عاديته بضربة واحدة، ويعطيه ذلك الحزن الذي وصفه كلاوديو ماجريس بأنه يميز أدب أمريكا اللاتينية ضد إغواء قراءة ما هو عجائبي يطلب منا جارثيل ماركيز أن (نؤدي الواجب الدرسي ونعيد قراءة نثر شجني، صعب، قاس). الجائزة علي عبقريته الابداعية، على عكس السهولة في تلك اللحظة، كانت شهرة، فقط يمكن مقارنتها في اللغة الاسبانية بشهرة رواية أخري خالدة لأنها أيضا (شجنية صعبة، وقاسية): الكيخوته.
اللقاء الأول كان في مكاتب ذلك العالم الكريم السخي الغريب الأطوار والمجنون (مانويل بارباتشانو برونسي). قصر قديم في شارع قرطبة ــ قصر دراكولا كما قال جابو ــ حيث قدمني ألفارو موتيس إلي جارثيا ماركيز وولدت الصداقة منذ النظرة الأولى. أعتقد أنه منذ تلك اللحظة أصبحنا صديقين للأبد، لدرجة أنه يمكنني أن أحدد ملامح الفترات المختلفة في حياتي منذ الثانية والثلاثين من عمري، عبر ملامح الصداقة مع جابو. وهو نفسه قال ذات مرة إننا لو كتبنا ذكرياتنا المشتركة فسوف يجد القراء صفحات متطابقة. في مكسيك الستينيات كانت الحياة الأدبية تدور حول مقهيان في (الزونا روسا)، كينرت والتيرول. قررنا جابو وأنا أن ننظم اللقاءات كل أحد بدءا من السادسة في بيتي المتهدم في سان أنخيل. مرت البشرية بأكملها علي هذا المكان. كلنا كنا شبابا، كلنا كنا واعدين، كنا كلنا ندخن ونشرب. البعض لم يخرج من طور الواعدين وأخرين قرروا أن يجنوا ما يسد رمقهم بما لا يتناسب مع كم وعظمة العمل.
كنا كلنا نرقص علي نغمات الاكشافات الجديدة: البيتلز ورولينج ستون. يوجد دليل: صورة غير تقليدية لجابو يرقص (الواتوسي) مع ايلينا جارو. كل الفتيات كن جميلات. من كانت أجمل من زهرة الأوركيديا الحزية الرقيقة (أرابيا أربينز). أرابيا، ابنة رئيس جواتيمالا المخلوع (بواسطة السي آي ايه) خاكوبو أربينز. جاءت إلي المكسيك لتدرس السينما بينما كنا، جابو وأنا كاتبين للسيناريو شديدي الضعف في عملنا كما كانت هي في الحياة. كتبنا معا سيناريو (الديك الذهبي)، إحدي قصص خوان رولفو، الذي أخرجه رودلوفو جافالدون، الذي كان مخرجا الطلب عليه كبير لدرجة أنه كان بالنهار يكتب سيناريو للمطربة (ليبرتاد لاماركي) وفي الليل يكتب معنا (الديك الذهبي)، لدرجة أن الأمر كان يختلط علينا، فأحيانا نجعل الديك يغني تانغو والسيدة (ليبرتاد) تقأقئ. ذات يوم قال لي جارثيا ماركيز: (ماذا سنفعل؟ هل سننقذ السينما المكسيكية أم سنكتب رواياتنا)؟ إننا نلعب بمصيرنا.
مائة عام من السعادة
ذهبت لأعيش في باريس لفترة طويلة، وحبس جابو نفسه لكتابة (مائة عام من العزلة). زوجته ميرسيدس أغلقت أبواب البيت، وقطعت أسلاك التليفون وملأت الثلاجة بكل ما هو ضروري. بعد عام وصلتني الخمسين صفحة الأولي من (مائة عام من العزلة). قرأتها بتأثر وإعجاب والأكثر من هذا بسعادة لأن لي صديق كبير الموهبة شديد السخاء. لأنها كانت رواية سخية. في أكثر من جانب. لم يعط ويعط فقط. لم يكن فقط يمتلك فضيلة الاعتراف بالفضل ــ الاشارة لعنوان كتاب جميل لتوماس سيجوبيا، شاعر كبير من جيلنا ــ. لم يكن فقط يجمع التقاليد العظيمة لأدب أمريكا اللاتينية بلمحة واحدة ــ أسطورة التأسيس، ملحمية الدمار، وتاريخ إعادة الخلق ــ لكنه كان أيضا يبرز بعظمة وسخاء توافق الأجناس في عصر من الجفاف الأدبي، محدد بدكتاتورية الرواية الفرنسية الجديدة، التي كانت تعمل علي تحويل الأدب إلي صحراء. شديد السخاء، فكان جارثيا ماركيز يعيدنا جميعا إلي (لا مانشا) محافظة ثربانتس الكبيرة حيث التقي كل من ملحمية الفروسية والدهاء والرواية الرعوية والحبكة البيزنطية، والرواية داخل الرواية وسجن الحب، وسخاء الأدب الذي يستعيده جارثيا ماركيز لأمريكا اللاتينية إنطلاقا من تقاليد مشتركة وموقع جغرافي جميل. الكاريبي، تيار الشكر الأدبي الذي ينساب من المسيسبي إلي وليام فوكنر عبر جزر التيار عند ارنست هيمنجواي، وفي محطة اسبانية في كوبا أليخو كاربنتير، ومفهومه عن (الواقع الرائع)، الأصل الحقيقي للواقعية السحرية. لكنه يمتد عبر اللغة الاسبانية عند جاك رومان وتوبي مارسيلين في هاييتي، وأيمي سيزار وإدوار جاليسان في الكاريبي الفرانكفوني ، وجان ريس، الطفلة الوحيدة لبحر (سرقسطة)، التي تتغطي بالكامل بالابيض في الكاريبي المتحدث بالانكليزية، وكمنارة للاسبانية، تقاوم كل هجمات الامبرراطورية، لويس رافائيل سانشيز في بويرتو ريكو. وفي الماضي، الماضي البعيد، رواة الهنود، والبحارة، والخيال الذي تزوج من الذاكرة. من كل هذا ينحدر جابرييل جارثيا ماركيز الذي يتذكر اليوم وسيظل يتذكر إلي الأبد، وجعل كل هذا حاضرا ومرئيا.
أصدقاء الأصدقاء
في كتابي (في هذا أعتقد) كتبت: (ما لا نمتلكه، نجده في الصديق). أنا وجابو تشابهنا في أشياء كثيرة واختلفنا قليلا. في السياسة، لا يمكن تفادي اختلاف الاراء، ودليل الصداقة أن ما يمكن أن يفرقنا هو ما يربطنا أكثر: الاحترام. أحيانا أترك جانبا انتمائنا الخلافي لأمريكا اللاتينية، لأفكر أن أمريكا اللاتينية تدرك نفسها كمشكلة سياسيا واقتصاديا فقط، كمشكلة تجبر العالم علي أن ينظر لنا مرة وأخري، علي أن ينقذنا من عجزنا الذاتي. جابو مهموم بظاهرة السلطة، و(خريف البطريرك) لا تؤكد هذا فقط وإنما تجسد من جميع الأوجه قوة ومأساوية السلطة. من وجهة نظري، في علاقتنا برجال السلطة يبزر ثلاثة. فرانسو ميتران ( رئيس فرنسا الأسبق ) ، كتلة من الذكاء والثقافة الأدبية والميكافيلية السياسية.في مذكراته كتب ميتران إلى صديق آخر مشترك، هو بابلو نيرودا قال له: (سارع بقراءة مائة عام من العزلة). إنها أجمل رواية أنتجتها أمريكا اللاتينية منذ الحرب الماضية. تعرف ميتران علي ماركيز وكتب: (إنه رجل متوحد مع عمله. محدد، صلد، حالم وصامت). مع ويليام ستيرون وأرثر ميللر وجارثيا ماركيز حضرت بداية رئاسة فرانسو ميتران في آيار (مايو) 1981 بعد ذلك كنا شهودا علي أول أفعاله كحاكم: توقيع قرارات رئاسية بمنح الجنسية الفرنسية لميلان كونديرا وخوليو كورتاثر، اللذان كان كلاهما منفيان من الديكتاتورية الشيوعية في براغ والفاشية في بوينوس أيرس. الثقافة الأدبية لرئيس فرنسي لا يمكن أن تثير الدهشة أبدا. حكي لي نيرودا أن لقاءاته مع الرئيس بومبيدو، بينما كان نيرودا سفيرا لشيلي في فرنسا. كانت حجتهما هي مناقشة السياسة الاقتصادية لنادي باريس، لكنها في الحقيقة كانت حوارات طويلة حول شعر بودلير. الشيء المدهش أن يوجد رئيس للولايات المتحدة يقرأ كتبا. هذا ما اكتشفناه ذات ليلة جابو وأنا بينما كنا نسمع بيل كلينتون يتلو من الذاكرة فقرات كاملة من فوكنر، وكيف يكشف أنه قرأ اليكخوته ولماذا كان ماركو اوريليو هو كاتبه المفضل. سؤال غير ضروري: ماذا يمكن أن يكون بوش قد قرأ؟ ولأنهاء الفصل السياسي أذكر قارئ ورجل دولة آخر هو فيلبي جونزالز، الذي كان يتحدث ككتاب، لأنه كان يفكر ككتاب لأنه قرأ كل الكتب، ومع هذا فهو ليس حزينا. كان لنا، جابو وأنا أصدقاء وأعداء كثيرين في الأدب، ليس كلهم مشتركين. لكن عندما ننظر لحياتنا ذات الفصول غير المنهية أعتقد أنه يوجد لكلانا صديق كاتب أو بمعني أدق كاتب صديق، نضعه فوق الجميع. إنه خوليو كورتاثر، وأعتقد إن جابو وأنا لم نكن ما أصبحنا ولا حتي ما نريد أن نكون بدون الصداقة الرائعة للعظيم كورتاثر. في كورتاثر تلتقي العبقرية الأدبية والتواضع الشخصي، الثقافة العالمية والحمية المحلية (جزر المالفين أرجنتينية ــ كان يقول دائما ــ والمختفين أيضا). قرأ كل شيء ورأي كل شيء، فقط لكي يتقاسمه. إحدي الليالي التي لا تنسي في صداقتنا تمت في قطار باريس ــ براغ في كانون الاول (ديسمبر) 1968 كان كونديرا قد دعانا لأن نحتفظ بالخيال ــ أي بالامل ــ في وجود ثقافة تشيكية مستقلة في بلد محاط بالمدرعات السوفييتيتة. كورتاثر كان يربط الموضوعات مثل حكاء عربي في ساحة مراكش. عندما وصنا فجرا إلي براغ كان كونديرا ينتظرنا في المحطة. أصطحبنا إلي ساونا وعندما طلبنا جابو وأنا حماما لكي نتخلص من الحر، حملنا إلي نهر مولتافا ودفعنا إلي الماء المتجمد مثل ديدان الصيد. أتذكر تعليق جابو عندما خرجنا من النهر: (اعتقدت يا كارلوس خلال لحظة إننا سنموت معا في أرض كافكا).
حياة وموت
عندما مات كورتاثر هاتفت جارثيا ماركيز حزينا علي رحيل صديقنا الذي لا مثيل له. رد علي جابو معزيا، لا تصدق ما تقرأ في الصحف. هذا حقيقي في الأدب لايوجد فناء. سماع جابو يتحدث عن الكتب والمؤلفين هو سماعه يتحدث عن أكثر الاشياء حياة، الأكثر قربا، الأكثر حميمية. جابرييل يمتلك ذاكرة شعرية رائعة، لدرجة أنني أحدسه ــ من بين أخرين ــ مثلما حسد كارلوس مونسيبايس (الذي قادرا علي أن يقضي مساءا كاملا مع نيرودا، متحاورا بكلمات لا تتجاوز مقتطفات من شعر نيرودا) و شيما بيريث (الذي يمكنه أن يتلو هيلدرين وجوته وريلكة بالالمانية)، أو أنطونيا فراسير، التي تحفظ قصيدة في كل ليلة. جابو يعرف شعر جارثيلاثو حفظا (اشارتك مكتوبة في روحي/ وعندما أكتب عنك أتمني/ أن تكتبي أنت، لأقرأ أنا/ وحيدا، حتي الأن لا أستطيع أن أتكلم). أحيانا يكشف جارثيا ماركيز عن الأدب الذي يحتفظ به. كافكا و(التحول)، القراءة التي تركته مهموما ومشتوقا للكتابة. فوكنر والقناعة أن الحاضر بدأ منذ عشرة الآف عام. رولفو وقوة الصمت. وياللعجب، دوماس أيضا و(الكونت دي مونت كريستو)، كرائعة من الروائع التي تضم الحبكة داخل الحبكة: كيف يمكن الهروب من سجن القلعة؟ فليتفرغ القارئ للتفكير وسيري أن التوافقات الممكنة لا نهاية لها، مثل القراءة. جابرييل جارثيا ماركيز وألكسندر دوماس وفرانز كافكا: كيف يمكن الدخول إلي القعلة وكيف يمكن الخروج منها. المفتاح اسمه الأدب. لكنه أيضا مخبأ. إنه في جزيرة الكنز. ليست جزيرة ستيفنسون، وإنما جزيرة (ديفو)، الكاتب المفضل لجارثيا ماركيز، ليس فقط من أجل روبينسون وإنما من أجل (يوميات عام الكوليرا). العنوان يقول كل شيء. روبينسون جابو هو المثير للاعجاب (كويتس ــ)أحد ألهة الانكا ــ. خبر كاذب يحكيه شخص ما لـ(ديفو). روبينسون الخاص بي هو روبينسون بونيول: المتوحد الذي يصرخ من فوق قمة الجبل لكي يسمع صدي صوته ويشعر أنه ليس وحيدا.
أماكن من الذاكرة
برشلونة الشاطئ الجميل وكارلوس بارال والأخوين جويتيسولو وروسا ريجاس وأصدقاءنا الثلاثة رودريجو وثيثيليا وجونزالو الذين ترددوا علي سينمات (ساريا) خلال عشر سنوات سعيا وراء أفلام فرانكشتين ودراكولا، كأنهم كانوا يشعرون بشيء، كنا نفسره نحن بمنطق مبالغ فيه: إنها إسبانيا فرانكو. في المكسيك كنا جابوا وأنا نهدئ من روعنا محاولين فهم التمردات والاغتيالات وما خفي أو ظاهر. في مقاهي باريس وبارات فينسيا وطرق أوفيدو ومدريد أدركنا أن الواقع دائما أكثر روائية من الخيال. وهكذا يجب أن يتفوق الخيال، ليس علي الواقع وإنما علي خيالية الواقع. الواقع القاسي المؤلم للوطن كولومبيا، شديد الفخر بجابو، حيث تحيه شوارع مدينة قرطاجنة: الوداع يا مستر نوبل. وطن مخطوف مغتصب، محتضر، مخدوع. عن حق يجد جابو في المكسيك وطنه الثاني، الذي يراه كما يراه مكسيكيون كثيريون: حوض من الماء الأسن، واقع صلب، أمن. هكذا هي ارادته المكسيكية وأنا كمكسيكي، وصديقه، لا يمكنني إلا أن أحترمها.
حيث البنادق تقتل الفلاحين.. يولد ماركيز..!
ولد غابرييل خوسيه غارسيا ماركيز في السادس من مارس عام 1928 في أراكاتاكا ، ولأن والديه كانا فقيرين ولا زالا يكافحان، فقد وافق جدّيه على مهمة تربيته، وهذه كانت عادة شائعة في ذلك الوقت.. لكن لا يمكن فهم التكوين الفكري والسياسي للكاتب دون التعرض لنبذة عن كولومبيا في ذاك الوقت وكيف عومل أجداده من قبل السلطات ...
حصلت كولومبيا على استقلالها من أسبانيا عام 1810، وكان العداء والكراهية يسودان العلاقة بين الأسبان والهنود بالبلاد، فالأسبان مزقوا الأراضي في بحثهم عن الذهب، والمرتدين عن الدين، والنفوذ السياسي، في النهاية أعلنت كولومبيا استقلالها عن أسبانيا عندما عزل نابليون الملك الإسباني عام 1810، نعمت البلاد بعدها بفترة قصيرة ببعض الحرية إلى أن غزاها ثانية الجنرال موريللو عام 1815 من خلال عدد من الحملات هي الأكثر دموية في تاريخ المنطقة. غير أن سيمون بوليفار أعاد تحرير البلاد عام 1820 وأصبح أول رئيس لها. في عام 1849 تماسكت البلاد وابتعدت عن الخلافات إلى درجة تكوين حزبين سياسيين، هما حزب الأحرار وحزب المحافظين اللذين لا يزالا قائمين حتى هذا التاريخ.
هذان الحزبان شكلا الإطار الرئيسي لمعظم ما كتبه غارسيا ماركيز في مجال أدب الخيال، ويمثل الحزبان أسلوبان مختلفان تماماً فكريا وطبقيا، وكلاهما حاول أن يكون حزباً قمعياً ومرتشياً، إضافة إلى أن البلاد انقسمت إلى إقليمين رئيسيين هما الكوستينوس لمنطقة ساحل الكاريبي، والكاتشاكوس لمنطقة المرتفعات الوسطى، وكلا المجموعتين استخدمتا تعبيرات تحتقر الأخرى، حيث يتميز الكوستينوس بتكوينهم من خليط عرقي صوته مسموع، يميل إلى الخرافات، وبشكل أساسي منحدرين من أصول تعود إلى القراصنة والمهربين، وفيهم خليط من العبيد السود، وهم من هواة الرقص وحب المغامرة، أما الكاتشاكوس فهم أكثر رسمية وأرستقراطية، انحدروا من أصول عرقية نقية، ويشعرون بالفخر بسبب التقدم الواضح في مدنهم مثل مدينة بوغوتا. إضافة إلى فخرهم بمقدرتهم على التحدث باللغة الإسبانية بطلاقة . ..وكان قد أشار غارسيا ماركيز مراراً إلى أنه يرى نفسه " كمستيزو " و " كوستينو"، أي هجين فيه خصائص الاثنين معاً مما مكنّه من تكوين نفسه وتطويرها ككاتب.
وعلى مدى القرن التاسع عشر كانت الثورات والحروب الأهلية على المستويين المحلي والقومي قد دمرت كولومبيا، ووصلت ذروتها في 1899 عندما بدأت حرب الألف يوم، انتهى هذا الصراع في أواخر 1902 بهزيمة حزب الأحرار. كانت هذه الحرب قد خلفت ما يزيد على 100 ألف قتيل غالبيتهم من الفلاحين البسطاء وأبنائهم. وقد خاض هذه الحرب جدّ غارسيا ماركيز.
عامل آخر أثر على أعماله هو مذبحة إضراب مزارع الموز عام 1928- أي سنة مولده - ، حيث كان الموز له أهميته الاقتصادية في البلاد في ذاك الوقت ، وشركة الفواكه المتحدة الأمريكية كان لها حق الاحتكار الفعلي لتجارة الموز التي كانت في تلك الفترة المصدر الوحيد لدخل العديدين من الكوستينو بما فيها أراكاتاكا وكانت الشركة مرتشية استغلت عمالها الكولومبيين بشكل بشع.
في أكتوبر من عام 1928 قام ما يزيد على 32 ألف عامل بالإضراب مطالبين بأوضاع عمل صحية، وعلاج طبي، ودفعات نقدية بدلاً من صكوك الشركة التي لا يمكن صرفها. وكان رد فعل الأمريكيين تجاه إضراب العمال واعتراضاتهم هو تجاهل مطالبهم، وبعد بداية الإضراب بفترة قصيرة احتلت الحكومة الكولومبية منطقة مزارع الموز، واستخدمت القوات المسلحة لمجابهة المضربين، حتى أنها أرسلت قواتها لإطلاق النار على العمال العزل حينما حاولوا التظاهر بالقرية مسقط رأس ماركيز ، وبذلك قتلت المئات منهم. وخلال الشهور القليلة التي تلت، كانت أعداد كبيرة من الناس قد اختفت، وفي النهاية أُنكرت الواقعة برمتها بشكل رسمي، ومسحت من كتب التاريخ تماماً. لكن غارسيا ماركيز أدرج هذه الأحداث ووثقّها فيما بعد في كتابه "مائة عام من العزلة".
الأساطير والكتب تملأ عالم غابيتو
كانت كنية ماركيز التي ينادى بها هي غابيتو "غابرييل الصغير"، كان صبياً هادئاً خجولاً، مفتون بقصص جدّه وخرافات جدته، وعداه هو وجده كان البيت بيت نساء، ذكر ماركيز فيما بعد أن معتقداتهن جعلته يخشى مغادرة مقعده، نصف رعبه كان من الأشباح التي كن يتحدثن عنها، ومع ذلك كانت هذه الحكايات هي بذور أعماله المستقبلية. قصص الحرب الأهلية، وقصة مذبحة الموز، وزواج والديه، والمزاولات اليومية للطقوس المتعلقة بالخرافات، إضافة إلى حضور ومغادرة الخالات، وبنات جّده غير الشرعيات كل هذه الأمور كتب عنها غارسيا ماركيز فيما بعد قائلاً: "أشعر أن كل كتاباتي كانت حول التجارب التي مررت بها وسمعت عنها وأنا برفقة جدي".
مات جده عندما كان لا يزال في الثانية عشرة من عمره ونتيجة لذلك ساءت حالة العمى لدى جدته، فذهب ليعيش مع والديه في سوكر، حيث يعمل والده كصيدلاني بعد أن وصل إلى سوكر بفترة وجيزة، قرر والداه أنه قد آن الأوان ليتلقى تعليمه بشكل رسمي، فأرسلا به إلى مدرسة داخلية في بارانكويللا، وهي مدينة تقع على ميناء نهر ماغدالينا، هناك اشتهر عنه قصائده الظريفة ورسومات الكاريكاتير وبشكل عام كان جاداً وغير رياضي إلى درجة أن أقرانه في الفصل أطلقوا عليه كنية " الرجل العجوز".
في عام 1940 عندما كان لا يزال في الثانية عشرة من العمر، حصل على بعثة دراسية لمدرسة ثانوية للطلبة الموهوبين، كان يدير المدرسة اليسوعيون المتدينون، وكانت هذه المدرسة التي تسمى الليسو ناسيونال في مدينة زيباكويرا التي تبعد 30 ميلاً إلى الشمال من العاصمة بوغوتا، كانت الرحلة إليها تستغرق أسبوعاً، وفي ذلك الوقت وصل إلى نتيجة وهي أنه لا يحب بوغوتا. كانت أول مرة يرى فيها العاصمة، وجدها كئيبة وظالمة، وتجربته هذه ساعدته على تأكيد هويته ككوستينو.
وجد نفسه في المدرسة مهتماً بدراسته إلى أقصى حد، وفي الأمسيات كان يقرأ على زملاؤه في السكن الداخلي محتوى الكتب بصوت مرتفع ,بعد تخرجه عام 1946 عندما كان في الثامنة عشرة من العمر حقق أمنية والديه بالالتحاق بجامعة يونيفيرسيداد ناسيونال في بوغوتا كطالب لدراسة القانون بدلاً من الصحافة.
مرسيدس .. رفيقة الحياة
خلال تلك الفترة التقى غارسيا ماركيز زوجة المستقبل أثناء زيارة لوالديه حيث تم تعريفه على فتاة في الثالثة عشرة من العمر تدعى مرسيدس بارتشا باردو. كانت شديدة السمرة وهادئة، انحدرت من أصول مصرية، يقول ماركيز إنه وجد أنها "أكثر إنسان ممتع قابله في حياته"، وبعد تخرجه من الليسيو ناسيونال، أخذ إجازة قصيرة مع والديه قبل الذهاب إلى الجامعة، أثناء تلك الفترة طلب يدها للزواج .
وافقت على شرط أن تنهي دراستها أولاً، وقامت بتأجيل الخطوبة، ومع أنهم لم يكونوا ليتزوجوا قبل أربعة عشر عاماً .. المقربون من الكاتب يعرفون مدى أهميتها بالنسبة له؛ فهي التي تدير أمور العائلة، وهو يتحدث عنها باستمرار، ويقول "إن زوجتي وولدَي أهم ما في حياتي، وبفضلهم استطعت تخطي الصعاب التي واجهتني", ولماركيز ابنان "رودريجو" مخرج سينمائي يعيش في الولايات المتحدة، و"جونزالو" مصمم جرافيك ويعيش في المكسيك.
ولد ليكون أديبا.. وجد غارسيا ماركيز أنه لا يوجد لديه أي اهتمام في دراسته، وأصبح كسولاً إلى درجة كبيرة، فبدأ بالتخلف عن حضور المحاضرات، وأهمل دراسته، ونفسه كذلك، كان يفضّل التجول في بوغوتا، والتنقل في مواصلاتها، وقراءة الشعر بدلاً من دراسة القانون، تناول طعامه في المقاهي الرخيصة، ودخن السجائر، واختلط بالمشبوهين المعتادين مثل الاشتراكيين المثقفين، والفنانين المتضورين جوعاً، والصحفيين الواعدين، وفي يوم ما، تغيرت حياته بأكملها من خلال قراءة كتاب واحد بسيط ، اسمه "كافكا".. كان لهذا الكتاب أكبر الأثر على ماركيز، حيث جعله يدرك أنه لم يكن على الأديب أن يتحدث عن نفسه على شكل قصة تقليدية. يقول: "فكرت في نفسي.. لم أعرف إنساناً قط كان مسموحاً له بالكتابة بهذا الأسلوب، لو كنت أعرف لكنت بدأت الكتابة منذ زمن طويل" .." إن صوت كافكا كان له نفس الصدى الذي امتلكته جدتي، كانت هذه هي طريقتها التي استخدمتها في رواية القصص، حيث تحدثت عن أغرب الأحداث، بنبرة صوت طبيعية تماماً".
حاول بعدها أن يلحق بما فاته من الأدب الذي لم يكن قد اطلع عليه، بدأ بالقراءة بنهم شديد، وبدأ أيضاً بكتابة قصص الخيال، وتفاجأ هو شخصياً بقصته الأولى "الاستقالة الثالثة" عندما نشرت عام 1946 في صحيفة بوغوتا الليبرالية "الإسبكتيتور" ( حتى أن ناشره المتحمس مدحه وقال عنه "العبقري الجديد للكتابة الكولومبية" )، دخل بعدها ماركيز مرحلة الإبداع بكتابة عشرة قصص أخرى للصحيفة خلال السنوات القليلة اللاحقة.
هناك فترة عايشها الأديب ماركيز وأثرت على كتاباته بشكل كبير يُطلق عليها " لا فايولينسيا" أي العنف، امتدت جذور هذا العنف إلى مذبحة الموز، في ذلك الوقت شخص واحد فقط من رجال السياسة امتلك الشجاعة إلى درجة الوقوف في وجه الحكومة وانتقاد فسادها، كان اسمه جورجي ايليسير غيتان، وهو شاب من أعضاء الكونجرس من الليبراليين، حيث نادى في اجتماعات الكونجرس بالتحقيق في الحادث , بدأت شهرة غيتان بعدها تنتشر كبطل للفلاحين والفقراء .
لكنه أصبح مصدر قلق لأعضاء الكونجرس من ذوي النفوذ من كلا الحزبين، وكان يبشر من خلال الإذاعة بحلول وقت التغيير الذي يجبر الشركات على التصرف بشكل مسئول , بحلول عام 1946 كان غيتان قد أصبح ذا نفوذ قوي لأن يتسبب بانشقاق في حزبه الذي كان قوياً وفي المرتبة الأولى منذ عام 1930 ، أدى هذا الانشقاق إلى عودة المحافظين إلى السلطة، وإلى الشعور بالخوف من ردة فعل انتقامية متوقعة، لذلك بدءوا بتنظيم جماعات برلمانية كان الغاية منها إشاعة الرعب في قلوب الناخبين الليبراليين، وهذا ما نجحوا في تحقيقه بشكل يثير الإعجاب عندما قاموا بقتل الآلاف منهم، في عام 1947 استطاع الليبراليون أن يسيطروا على الكونغرس، وبذلك نصبوا غيتان رئيساً للحزب وفي التاسع من أبريل عام 1948 اغتيل غيتان في بوغوتا وارتجـّت المدينة بحالات مميتة من الشغب لمدة ثلاثة أيام، هذه الفترة أطلق عليها اسم بوغوتازو وكانت حصيلتها 2500 قتيل، كما تم تنظيم فرق جيوش مقاتلة من كلا الحزبين، وساد الرعب أنحاء البلاد .. حرقت أثناءها المدن والقرى، وقتل الآلاف بشكل وحشي ، وصودرت المزارع، وهاجر أكثر من مليون فلاح إلى فنزويلا . وفي النهاية حلَّ المحافظون الكونجرس، وأعلنوا البلاد في حالة حصار، وتمت ملاحقة الليبراليين وحوكموا وأعدموا .
تقطّعت أوصال البلد في فترة العنف هذه التي كانت من نتائجها مقتل ما يزيد عن 150 ألف كولومبي حتى عام 1953 ، هذا العنف أصبح فيما بعد الخلفية الأساسية للعديد من روايات ماركيز وقصصه، خصوصاً ما كتبه في رواية "الساعة الشريرة".
وككاتب إنسانيات من عائلة متحررة، كان لاغتيال غيتان عام 1948 تأثير كبير على ماركيز، حتى أنه شارك في مظاهرات البوغوتازو ، أغلقت في تلك الفترة كلية اليونيفيرسيداد ناسيونال، مما عجّل بانتقاله إلى الشمال الأكثر أمناً، حيث انتقل إلى جامعة كاراتاغينا، هناك تابع دراسة القانون بفتور، وأثناء ذلك كان يكتب عموداً يومياً لصحيفة اليونيفيرسال، وهي صحيفة كارتاغينية محلية، في النهاية قرر أن يتخلى عن محاولاته في دراسة القانون عام 1950.
وقد كانت الصحافة مصدر إلهام كبير لماركيز في الكثير من أعماله حتى أن واحدة من أشهر أعماله "خريف البطريرك" قد اختمرت في رأسه بشكل كامل أثناء تغطية صحفية كان يقوم بها لمحاكمة شعبية لأحد الجنرالات المتهمين بجرائم حرب، ومن ناحية أخرى فان عمله الصحفي أتاح له نفوذا كبيرا في كثير من الأنظمة الحاكمة ومراكز السلطة في أمريكا اللاتينية بالإضافة إلى شبكة اتصالات واسعة بشخصيات سياسية ما كانت شخصيته كأديب ستسمح له بها.
"فولكنر" و "سوفوكليس".. إشارة البدء
" ان اكثر ما يهمني في هذا العالم هو عملية الإبداع . أي سر هو هذا الذي يجعل مجرد الرغبة في رواية القصص تتحول إلى هوى يمكن لكائن بشري أن يموت من اجله ، أن يموت جوعا ، أو بردا ، أو من أي شئ آخر لمجرد عمل هذا الشيء الذي لا يمكن رؤيته أو لمسه ، وهو شئ في نهاية المطاف ، إذا ما أمعنا النظر ، لا ينفع في أي شئ ؟ "
كرس ماركيز في الفترة اللاحقة نفسه للأدب حيث انتقل ليعيش في بارانكويللا، وبدأ بالاختلاط بالدائرة الأدبية التي يطلق عليها اسم إيل غروبو دي بارانكويللا، وتحت تأثيرها بدأ يقرأ أعمال همنجواي، وجويس، وولف، والأهم من كل هؤلاء فولكنر. كذلك وقعت يده على دراسة عن الروائع الأدبية وجد من خلالها الإلهام الكبير في أوديبوس ريكس التي كتبها سوفوكليس. أصبح كل من فولكنر، وسوفوكليس أكبر تأثير مرّ عليه في حياته خلال أواخر سنوات الأربعينات وبداية الخمسينات، بهره فولكنر في مقدرته على صياغة طفولته على شكل ماضٍ أسطوري، ومن كتاب أوديبوس ريكس، وأنتيجون لسوفوكليس وجد الأفكار لحبكة رواية تدور حول المجتمع، وإساءة استخدام السلطة فيه، علمه فولكنر أن يكتب عن أقرب الأشياء إليه وقد حدث.
عندما عاد برفقة والدته الى بيت جدته في أراكاتاكا، لتجهيز البيت من أجل بيعه، وجدوا البيت في حالة مزرية وبحاجة للكثير من الإصلاح، ومع ذلك، أثار هذا البيت في رأسه زوبعة من الذكريات كان يرغب في رواية بعنوان "لاكازا " البيت"، وعند عودته إلى بارانكويللا كتب أولى رواياته "عاصفة الورقة" بحبكة معدّلة عن أنتيجون، وأعاد نقلها إلى البلدة الأسطورية، ولكن في عام 1952، رفض الناشر عرض القصة إلى عام 1955 حين كانت الأجواء تهيأت لإخراجها من الدرج وأثناء وجود غارسيا ماركيز في أوروبا الشرقية وقد نشرت على يد أصدقاء ماركيز الذين أرسلوها للناشر.
كان في هذا الوقت لديه أصدقاء وعمل ثابت في كتابة أعمدة لصحيفة الهيرالدو، وفي المساء عمل على كتابة قصصه الخيالية، بعد ذلك عام 1953 حاصرته حالة من القلق، فجمع حاجياته، واستقال من عمله، وبدأ يبيع الموسوعات في لاغواجيرا مع صديق له، ثم خطب مرسيدس بارتشا بشكل رسمي، انتقل بعدها في 1954 مرة أخرى الى بوغوتا، وقبل بالعمل ككاتب للقصص والمقالات عن الأفلام في صحيفة السبيكتاتور.
هناك بدأ بمغازلة الاشتراكية، محاولاً أن يفلت من انتباه الدكتاتور غوستافو روجاز بينيللا في ذلك الوقت
تجول ماركيز مسافراً بين جنيف، وروما، وبولندا، وهنغاريا، واستقر في النهاية في باريس حيث وجد نفسه عاطلاً عن العمل، عندما أغلقت حكومة بينيللا مطابع صحيفة أيل سبيكتاتور، عاش في الحي اللاتيني من المدينة، حيث حصل على متطلبات معيشته على شكل ديون مؤجلة، إضافة إلى القليل من النقود من إعادة الزجاجات الفارغة.. وهناك تأثر بكتابات همنغواي، وطبع حوالي إحدى عشر مسودة من روايته "لا أحد يكتب للكولونيل" نقرأ فيها عن كولونيل انتهى دوره السياسي واصبح خارج اللعبة، يرصد جزيئات حياته اليومية، عارضاً بؤسها، تفاصيل صغيرة تحكي ما آلت إليه حياة الكولونيل، فالرجل الذي قضى حياته عسكرياً مرموقاً في ظل الدكتاتورية التي تحكم بلداً من بلدان العالم الثالث، اصبح الآن وحيداً، منبوذاً، يعاني من بؤس وفراغ مدمرين، يتشبث يائساً بالحياة، منتظراً بريداً لا يصل أبدا، البريد الحامل لجواب الحكومة والمتعلق براتبه التقاعدي، إضافة إلى جزء من رواية "الساعة الشريرة" .
بعد الانتهاء من رواية الكولونيل سافر إلى لندن، وفي النهاية عاد إلى فنزويلا المكان المفضل للاجئين الكولومبيين، هناك أنهى روايته "البلدة المكونة من الهراء" ، الذي كان معظمه حول فترة العنف وتعاون مع صديقه القديم بلينيو أبوليو الذي كان حينها محرراً في صحيفة "ايلايت" وهي صحيفة أسبوعية في كاراكاس، وطوال عام 1957 تجول كلاهما في دول أوروبا الشيوعية باحثين عن أجوبة وحلول لمشكلات كولومبيا، مساهمين بمقالات في دور النشر الأمريكية اللاتينية المختلفة، ومع إيمانهم بوجود شيء جيد في الشيوعية، إلا أن غارسيا ماركيز أيقن بأن الشيوعية قد تكون سيئة بنفس مقدار درجة العنف التي مرت بها البلاد، وبعد مكوثه في لندن لمدة وجيزة، عاد مرة أخرى إلى فنزويلا .
وفي 1958 جازف ماركيز بالعودة إلى كولومبيا بشكل مستتر، واختفى عن الأنظار متسللاً إلى بلدته الأصلية، وتزوج بمرسيدس باتشا التي كانت تنتظره في بارانكويللا لسنوات طويلة، وبعد ذلك تسلل هو وعروسه مرة أخرى عائداً بها إلى كاراكاس ، وبعد أن نشرت صحيفة "مومينتو" بعض المقالات عن الخيانة الأمريكية، واستغلال الطغاة، أذعنت للضغط السياسي وأخذت موقفاً موالياً لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية بعد زيارة نيكسون المدمرة في مايو، مشحونين بالغضب من موقف صحيفتهما سلّم كل من غابرييل غارسيا ماركيز، وصديقه ميندوزا استقالتيهما.
بعد فترة وجيزة من تركه لوظيفته في صحيفة "مومينتو" وجد ماركيز نفسه هو وزوجته في هافانا حيث كان يغطي أحداث ثورة كاسترو، ألهمته الثورة فساعد من خلال فرع بوغوتا في وكالة أنباء كاسترو برنسالاتينا، وكانت بداية صداقة بينه وبين كاسترو استمرت حتى هذه اللحظة.
ساعة شريرة تصيبه بالإحباط
وفي عام 1959 ولد رودريجو الابن الأول لغارسيا ماركيز، وانتقلت العائلة لتعيش في مدينة نيويورك، حيث كان مشرفاً على فرع صحيفة "برنسا لاتين" في أمريكا الشمالية، واجتهدوا كثيراً تحت تهديدات القتل التي وجهها لهم الأمريكان الغاضبون فاستقال ماركيز من عمله بعد عام واحد، وأصبح مشوشاً بالنسبة للتصدعات الفكرية التي كانت تحدث في الحزب الاشتراكي الكوبي. فانتقل بعائلته إلى مدينة مكسيكو، مسافراً عبر الجنوب وحُرِمَ من دخول الولايات المتحدة الأمريكية مرة أخرى حتى عام 1971.
في مدينة مكسيكو عمل على ترجمة الأفلام، وعمل على كتابة السيناريوهات المسرحية، وأثناء ذلك بدأ بنشر بعض رواياته الخيالية. ساعده أصدقاءه على نشر رواية "لا أحد يكتب إلى الكولونيل" عام 1961، وبعد ذلك، رواية " جنازة الأم الكبيرة" عام 1962، في نفس ذلك العام ولد ابنه الثاني غونزالو. وأخيراً أقنعه أصدقاؤه بدخول مسابقة الأدب الكولومبي في بوغوتا. راجع رواية "الساعة الشريرة" وقدمها ففازت. فقام رعاة الجائزة بإرسال الكتاب إلى مدريد من أجل نشره، وصدر عام 1962، وكانت خيبة أمله كبيرة، فقد قام الناشر الإسباني بالتخلص من جميع الألفاظ العاميّة المستخدمة في أمريكا اللاتينية، وكل المادة التي اعترض عليها، ونقحها إلى درجة يصعب فيها التعرف على العمل الأصلي ، وجعل الشخصيات تتكلم اللغة الإسبانية الرسمية الموجودة في القواميس، فاكتئب ماركيز إلى درجة كبيرة، واضطر إلى رفض العمل، وكان عليه أن يعمل حوالي نصف عقد حتى يعيد نشر الكتاب بشكل مـُرضي.
طغى عليه الشعور بالفشل، لم يبع من أعماله أكثر من 700 نسخة، ولم يحصل على أي حقوق للتأليف، وحتى هذه اللحظة رواية "ماكوندو" فلتت من قبضته أيضاً , في عام 1967 نشر كتاب بعنوان "خبر اختطاف " عن الكفاح الدامي لكولومبيا ضد المخدرات والإرهاب.
دبلوماسية ماركيز لإحلال السلام
مازال ماركيز يحظى بزيارات مشاهير العالم مثل الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون ورئيس الوزراء الأسباني السابق فليب جونزاليس ويقضي الساعات في مناقشة الأحوال السياسية والتطرق لدوره البارز باعتباره وسيط في عملية السلام بين متمردي الجناح الأيسر والحكومة الكولومبية وهو يري أنه نجح في إصلاح الكثير من القضايا التي غاب عنها وجه العدالة في جميع أنحاء العالم وذلك باستخدام دبلوماسيته التي اشتهر بها وهو ما يعده ماركيز تكتيكا أكثر فاعلية من مجرد الاستعانة بالبروتوكولات الرسمية.
في السادس من أغسطس عام 1986 ألقى ماركيز خطبة في اجتماع عالمي لمناسبة ضحايا قنبلة هيروشيما، رسم فيه الصورة المظلمة لحاضر الإنسان ومستقبله في ظل السيطرة النووية للدول الكبرى، وأعاد إلى الأذهان احتمالات ما بعد الكارثة، وأرجح هذه الاحتمالات أن الصراصير وحدها ستكون شاهدة على حضارة الإنسان بعد أن يحل ليل أبدي بلا ذاكرة.
نوبل بين من يستحقها ومن لا يستحقها..؟
في عام 1982 حصل غابرييل غارسيا ماركيز على جائزة نوبل للأدب عن رائعته «مائة عام من العزلة».. وعندما تسلم الكاتب الكولومبي قيمة الجائزة كان أول ما فكر فيه هو شراء دار صحفية يعود من خلالها لممارسة عمله المفضل في الحياة: "لقد ظلت النقود موضوعة في احد البنوك السويسرية لمدة ستة عشر عاما نسيت خلالها أمرها تماما حتى ذكرتني بها مرسيدس فكان أول ما فعلت هو شراء كامبيو". هكذا يقول بنفسه. و كامبيو هي مجلة إخبارية أسبوعية حققت نجاحا تجاريا كبيرا بسبب المقالات التي يكتبها ماركيز فيها والتي تعتبر وسيلته للتحاور مع قرائه عن طريق الرد على أسئلتهم واستفساراتهم التي تكشف في أحيان كثيرة عن جوانب لم تكن معروفة عن حياته. كما ينقب كثير منها في أغوار مطبخه الأدبي ليكشف عن كثير من أسرار اشهر أعماله. وقال لحظة تسلمه الجائزة: "لقد أدركت أن عبقريتي الحقيقية موجودة في جذوري ببيت أركاتيكا بين النمل وحكايات الجد والجدة، على أرض كولومبيا في أمريكا اللاتينية".
أدرك ماركيز أن جائزته الكبرى ربما تذهب لمن لا يستحقها، " إنه لمن عجائب الدنيا حقًّا أن ينال شخص
ويقول عن اقتسام الرئيس أنور السادات وبيجن لجائزة نوبل السلام : "الرجلان اقتسما الجائزة، لكن المصير اختلف من أحدهما إلى الآخر، الاتفاقية ترتب عليها في حالة أنور السادات انفجار بركان الغضب داخل جميع الدول العربية، فضلا عن أنه - ذات صباح من أكتوبر 1981- دفع حياته ثمنًا لها. أما بالنسبة لبيجين فلقد كانت هذه الاتفاقية نفسها بمثابة الضوء الأخضر، ليستمر بوسائل مبتكرة في تحقيق المشروع الصهيوني الذي لا يزال حتى هذه اللحظة يمضي قدمًا. أعطته الجائزة أول الأمر الغطاء اللازم حتى يذبح - بسلام- ألفين من اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات داخل بيروت سنة 1982... جائزة نوبل في السلام فتحت الطريق على مصراعيه لقطع خطوات متزايدة السرعة نحو إبادة الشعب الفلسطيني، كما أدت إلى بناء آلاف المستوطنات على الأرض الفلسطينية المغتصبة. " ويقول : " هناك بلا شك أصوات كثيرة على امتداد العالم تريد أن تعرب عن احتجاجها ضد هذه المجازر المستمرة حتى الآن، لولا الخوف من اتهامها بمعاداة السامية أو إعاقة الوفاق الدولي....أنا لا أعرف هل هؤلاء يدركون أنهم هكذا يبيعون أرواحهم في مواجهة ابتزاز رخيص لا يجب التصدي لـه بغير الاحتقار. لا أحد عانى في الحقيقة كالشعب الفلسطيني... أنا أطالب بترشيح ارييل شارون لجائزة نوبل في القتل، سامحوني إذا قلت أيضًا إنني أخجل من ارتباط اسمي بجائزة نوبل. أنا أعلن عن إعجابي غير المحدود ببطولة الشعب الفلسطيني الذي يقاوم الإبادة "
التوقف عن الكتابة
اشتهر ماركيز في السنوات الأخيرة بغزارة إنتاجه الأدبي ففي عام 2002نشر الجزء الأول من سيرته الذاتية "عشت لأروي"، والتي يستعيد فيها أدق تفاصيل الطفولة والشباب، بصورة درامية وبدأ في كتابتها بعدما علم أنه مصاب بمرض السرطان في عام 1999م يقول: "إن وهبني الرب من الحياة قطعة فسأرتدي ملابس بسيطة، وأستلقي تحت الشمس..." وقد ترجمها للعربية الدكتور طلعت شاهين، الجزء الأول من تلك المذكرات صدر في طبعة من مليون نسخة تم تقديمها في كل من برشلونة وبوجوتا وبوينس ايريس والمكسيك في وقت واحد ، وفي عام 2004 كتب روايته الشهيرة "ذكريات غانياتي الحزينات" التي لاقت رواجا غير مسبوق في شتي أنحاء العالم، غير أنه في لقاء له بصحيفة "لا فينجرديا" المكسيكية أعلن ماركيز أنه توقف عن الكتابة وأن عام 2005 كان هو العام الأول في حياته الذي لم يستطع فيه كتابة سطر واحد..
منقول من مقال في ( ديوان العرب ) في ٨ آذار (مارس) ٢٠٠٦
نهنهة إمرأة عربية في ذكرى صبرا وشاتيلا
يستوقفني بشدة كلما اتذكر موقف مبدع كبير كالكاتب جابرييل جارثيا ماركيز الذي حكي يوما تماما كما يحكي في رواياته الواقعية الصادقة قائلا: صادف أن كنت في باريس، عندما ارتكب شارون - بغطاء من جائزة نوبل للسلام تلك التي مُنحت لرابين والسادات - مجازر صبرا وشاتيلا التي قتل خلالها ما يقرب من 30 ألف فلسطيني لبناني . وصادف أيضا أن كنت في باريس عندما فرض الجنرال ياروزيلسكي سلطة العسكر ضد إرادة الأغلبية من شعب بولندا. أصابت الأزمة البولندية أوروبا بصدمة جعلتها تترنح من الغضب. وقمت شخصيا بالتوقيع على عدد كبير من البيانات التي تندد باغتيال الحرية في بولندا، وشاركت في الاحتفالية التي أقيمت تكريما لبطولة الشعب البولندي بمسرح ( بير ادى بار) تحت رعاية وزارة الثقافة الفرنسية. وعلى العكس من ذلك تماما ساد نوع من الصمت الرهيب عندما اجتاحت القوات الشارونية لبنان. علما بأن أعداد القتلى أو المشردين هناك لا تسمح بأية مقارنة مع ما حدث في بولندا .. لا أدري، هل يدرك هؤلاء أنهم بهذه الصورة يبيعون أرواحهم في مواجهة ابتزاز رخيص لا يمكن التصدي له بالاحتقار؟ لاأحد عانى في الحقيقة كالشعب الفلسطيني . فإلى متى نظل بلا ألسنة؟ إنني لم أجد من يومها من يدعوني إلى احتفال ببطولة الشعب الفلسطيني في أي مسرح تحت رعاية أية وزارة..!!
كما أبدع الكاتب العالمي ماركيز في رواياته الرائعة ، أبدع حين قال : هذا ما يدفعني الآن إلى التوقيع على "ذلك البيان" بشكل منفرد، وأن أعلن عن اشمئزازي من المجازر التي ترتكبها يوميا المدرسة الصهيونية الحديثة. إنني أطالب بترشيح أرييل شارون لجائزة نوبل في القتل. سامحوني إذا قلت أيضا إنني أخجل من ارتباط اسمي بجائزة نوبل. ومن ثم أعلن عن تقديري غير المحدود لبطولة الشعب الفلسطيني الذي يقاوم الإبادة على الرغم من إنكار "القوة العظمى" أو "المثقفين الجبناء" أو "وسائل الإعلام" أو حتى "بعض العرب" لوجوده. إنني أوقع على هذا البيان باسمي .. ووقع ماركيز على بيان الإدانة الشهير متخليا عن جائزة نوبل للآداب التي نالها عام 1982 ، فاردا أجنحة الصدق لضميره لتسجل موقفها من المذبحة ، وفي تاييده العلني للقضية الفلسطينية ..
بريهان قمق
مركز الأخبار ( أمان ) 17/9/2003
بيان ماركيز يعيد وجه الثقافة الغائب
كشف البيان الذي أصدره الكاتب الكولومبي "جابريل غارثيا ماركيز" -الحاصل على جائزة نوبل للآداب عام 1982م- والذي يعلن فيه تضامنه مع الشعب الفلسطيني عن عجز المثقفين العرب عن القيام بمبادرات شبيهة.
وكان صاحب رواية "مائة عام من العزلة" قد أعرب عن إدانته للمجازر التي يرتكبها جلادو شارون والكيان الصهيوني؛ ليعيد الاعتبار للثقافة العالمية الإنسانية، ويعرِّي أمامنا ضمير أمتنا النائم، ويثبت أن الأدباء المتميزين يتحملون مسؤولية خاصة أمام ضمائرهم حماية لمستقبل البشرية.
وقد جاء هذا البيان في وقت بالغ الأهمية، خصوصًا بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر في نيويورك وواشنطن، وهمجية الجيش الإسرائيلي بارتكابه لمذابح متتالية ضد أبناء الشعب الفلسطيني؛ مستفيدًا من متغيرات الرأي العام الدولي ضد العرب والمسلمين.
وكان من أوائل ردود الفعل الإيجابية على البيان المقال هي خلقها حافزًا قويًّا دفع برلمان الكتاب الدولي إلى تشكيل وفد من المثقفين والكتاب العالميين لزيارة الأراضي المحتلة، وتحديدًا رام الله -في الفترة من 24 - 27 مارس 2002م- تضامنًا مع الشعب الفلسطيني في مواجهة المذابح التي يتعرض لها أبناء الشعب الفلسطيني يوميًّا على أيدي قوات الاحتلال، ومن أبرز من سيضمهم الوفد اثنان من حملة جائزة نوبل للآداب، هما: الكاتب النيجري "أوول سونكا"، والأديب البرتغالي "ساراموغو"، وهو الموقف الذي أيده ماركيز فورًا، وإن أبدى أسفه لعدم قدرته على المشاركة بسبب أوضاعه الصحية.
ويرى البعض أن موقف ماركيز كاشف لموقف المثقفين العرب الذين لم يبادروا باتخاذ مبادرات شبيهة إلا بعد نشر مقال أو بيان ماركيز في الصحف العربية التي سرعان ما امتلأت صفحاتها بعدة مقالات، تقارن بين موقف ماركيز وموقف "نجيب محفوظ" الأديب العربي الوحيد الحاصل على جائزة نوبل؛ ليسارع محفوظ إلى التعبير عن سعادته بموقف غارسيا، وإن لم يقم بمبادرة مشابهة في هذا الشأن.
شكرًا ماركيز
بيان ماركيز إنما يدلِّل على موقف إنساني أعاد خلاله قراءة تاريخ الكيان الصهيوني في المنطقة؛ ليحدد في بيانه مجموعة من النقاط التي ما زالت تشكِّل جوهر النضال الوطني الفلسطيني، وإن تخلى عنها البعض.
افتتح ماركيز بيانه بمخاطبة الضمير الإنساني بمقارنة بين المشروع النازي والمشروع الصهيوني قائلاً: "نحن الذين نقاوم فقدان الذاكرة"؛ إذ رأى الوعاء الفكري لممارسات النازية متماثلاً مع الصهيونية، حيث ارتكز هتلر على نظرية المجال الحيوي لتحقيق مشروعه التوسعي باحتلال أراضي الآخرين، وتماثل بيجن مع هذا الموقف بقوله صراحة: إن الأراضي المحتلة عام 1967م هي ممتلكات يهودية ليس من حق أحد أن يطالب باستعادتها.
وأضاف أن: "ما أسماه هتلر الحل النهائي لمشكلة اليهود بوضعهم في معسكرات الاعتقال سيئة السمعة -هو ما رآه المخرج المناسب بالنسبة له- قد استند إليه الإسرائيليون من خلال الاستطراد في سرد وقائع الإبادة الجماعية لتبرير إبادة جماعية أخرى (وهي إبادة الفلسطينيين)".
لقد رفض "ماركيز" الابتزاز الصهيوني في قضية المحرقة قائلاً: "أما حكاية الملايين الستة من اليهود ضحايا هتلر، فمن الممكن إحالتها إلى ترسانة الخرافات اليهودية".
ويشير ماركيز إلى أن نظرية المجال الحيوي الصهيونية ارتكزت إلى أن اليهود شعب بلا أرض، وأن فلسطين أرض بلا شعب. هي ما قامت عليه الدولة الإسرائيلية غير المشروعة في 1948م، ولما تبين أن هناك شعبًا، وأن هذا الشعب الفلسطيني يسكن في أرضه، كان من الضروري حتى لا تكون النظرية مخطئة إبادة الشعب الفلسطيني، وهو ما تم بصورة منهجية منذ 50 عامًا.
نوبل غطاء للمذبحة
كانت هذه ثاني النقاط الهامة في بيان ماركيز؛ إذ أبدى استغرابه ودهشته بقوله: "من عجائب الدنيا حقًّا أن يحصل مثل مناحيم بيجن على جائزة نوبل للسلام تكريمًا لسياسته الإجرامية، فقد أعطته الجائزة في البداية الغطاء اللازم لأن يذبح، وبسلام وأمان، أكثر من 2000 لاجئ فلسطيني في المخيمات داخل بيروت عام 1982م، التي تطورت، في الواقع، خلال السنوات اللاحقة على يد مجموعة من أنجب تلاميذ المدرسة الصهيونية الحديثة، مع حتمية الاعتراف بأن الذي تفوق على الجميع هو التلميذ النجيب إريل شارون".
واعتبر ماركيز فوز بيجن والسادات بجائزة نوبل للسلام عام 1978م نوعًا من المكافأة على اتفاقية خادعة أرست قواعد السلام من طرف واحد وهو الطرف العربي، وهي الاتفاقية التي أودت بحياة السادات، وفتحت الفرصة أمام بيجن وتلامذته لارتكاب مزيد من المجازر.
"على الغرب أن يفيق من وهم اللاسامية" كانت هذه ثالث النقاط؛ إذ يحكي لنا في رواياته قائلاً: تصادف أن كنت في باريس، عندما ارتكب شارون -بغطاء من جائزة نوبل للسلام- مجازر صبرا وشاتيلا التي قتل خلالها ما يقرب من 3 آلاف فلسطيني في لبنان.
وتصادف أيضًا أن كنت في باريس، عندما فرض الجنرال "ياروزلسكي" سلطة العسكر ضد إرادة الأغلبية من شعب بولندا، أصابت الأزمة البولندية أوروبا بصدمة جعلتها تترنح من الغضب، وقمت شخصيًّا بالتوقيع على عدد كبير من البيانات التي تندد باغتيال الحرية في بولندا، وشاركت في الاحتفالية التي أقيمت تكريمًا لبطولة الشعب البولندي بمسرح (بير آدي بار) تحت رعاية وزارة الثقافة الفرنسية.
وعلى العكس من ذلك تمامًا ساد نوع من الصمت الرهيب عندما اجتاحت القوات الشارونية لبنان. علمًا بأن أعداد القتلى أو المشردين هناك لا تسمح بأية مقارنة مع ما حدث في بولندا.
وأدان ماركيز الصامتين على امتداد العالم الخائفين من الإعراب عن موقفهم، واحتجاجهم ضد هذه المجازر المستمرة حتى الآن رعبًا من اتهامهم بمعاداة السامية، وهم يبيعون بمثل هذه الطريقة أرواحهم في مواجهة ابتزاز رخيص كان عليهم أن يواجهوه بالاحتقار.
ضد التطبيع
ومن خلال بيانه أدان "ماركيز" مواقف مثقفين عرب نادوا بتطبيع العلاقة مع إسرائيل، وهو ما يدفعني إلى التفكير في بعض مواقف عدد منهم، وبشكل خاص الكاتب العربي الوحيد المساوي لمستوى مركيز على الصعيد العالمي الأديب المصري الكبير/ نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1988م، الذي لم يجد ما يعلق عليه سوى الجانب الشكلي للبيان بقوله لأسبوعية "أخبار الأدب" القاهرية - في عددها السابق الصادر في 17-مارس-2002م- قائلاً: "إن قيمة هذا المقال أنه يجيء من كاتب غير عربي؛ إذ كتب الكتاب العرب ويكتبون وسوف يستمرون في إبداء رأيهم، ولكن لا يُصغى إلى أصواتهم في الغرب؛ لأنهم طرف في الصراع".
وذكرنا محفوظ بما كتبه عن القضية الفلسطينية في كلمته التي كتبها بمناسبة حصوله على نوبل وقال: "إن ماركيز صوت قوي لا يمكن اعتباره معاديًا للسامية، إنما هو معبِّر عن الضمير الإنساني، وإنه يشكر الذين أيَّدوا مقال ماركيز وأيضًا الذين أحسنوا الظن به، وطالبوه بموقف مماثل، وقال: إنه عبر عن موقفه من قبل وفي مواقف عديدة".
في حين تجاهل محفوظ -في رأيي- الجوهر الذي تضمنه مقال البيان تجاه كامب ديفيد والتعامل مع إسرائيل ككيان صهيوني، وضمن هذا السياق يستلفِت النظر أن محفوظ في كل مشواره الإبداعي ورغم وصوله إلى التسعين، ومعايشته أحداث المنطقة كاملة لم يكتب كلمة واحدة عن القضية الفلسطينية التي أثرت وما زالت تؤثر بشكل عميق على كل المنطقة العربية، وخاصة مصر، في أي رواية من رواياته، كما يؤكد الباحث والناقد المصري "صبري حافظ"!!
وكان الأولى -من وجهة نظري- أن يندفع محفوظ إلى جانب الشعب الفلسطيني في محاربته إسرائيل، بدلاً من كونه أول المثقفين الداعين إلى عقد الصلح مع إسرائيل، وذلك في حديث له أثناء لقاء المثقفين المصريين مع الرئيس الليبي معمر القذافي في عام 1972م؛ مبررًا ذلك بعدم قدرة العرب على محاربتها.
وهو ما جعله يشذّ عن موقف غالبية المثقفين المصريين إثر توقيع اتفاقيات كامب ديفيد؛ ليعلن عن تأييده لها دون أن يرى تأثيرات ذلك على المدى البعيد على المصالح الإستراتيجية المصرية أو العربية، وقد عانى محفوظ كثيرًا؛ بسبب هذا الموقف، حيث منعت أعماله من دخول الدول العربية، ولم يرفع الحظر إلا بعد حصوله على نوبل، كما جاءت مواقفه تجاه الانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية تفتقد -في رأيي- الصلابة والتضامن المنتظرين ممن مثله.
وينطبق هذا أيضًا على غيره من كتاب عرب مشهورين، بعد أن أعلنوا عن مواقف مرحّبة في التطبيع مع إسرائيل، مثل: المغربي طاهر بن جلول الذي زار إسرائيل، ومحمد شكري الذي رحَّب بتوقيع اتفاقات مع دور نشر إسرائيلية لترجمة أعماله إلى العبرية، كما اندفع غيرهما لفتح الحوار مع الكتَّاب الإسرائيليين.
بيان ماركيز يجعلنا نتطلع لإجابة عما إذا كان يمكن لبعض مثقفينا أن يعيدوا قراءة مواقفهم، وهم أصحاب المصلحة الحقيقية في تبني مواقف "جابريل غارثيا ماركيز" الإنسانية والحقيقية فيما يتعلق بقضيتنا .
رياض أبو عواد
20/3/2002
اسلام أون لاين


نائل شيخ خليل
10 آذار 2008

* 3.21 ميغا بايت
الترجمة الثانية
33 ميغا بايت
ملاحظة هامة
الترجمة الأولى حُمّلت من موقع
( مكتبة المصطفى الإلكترونية )
و
الترجمة الثانية حُمّلت من موقع
( ليلاس ) الأدبي








said:
said:



لك مني تحية دمشقية عريقة أنيقة ...
ملوّنة بعبق ياسمين الشام ....
ودعوة من قلب ... أعياه حبّ الشام ..
حيث ...عطر الحياة ..
وفق رؤية جديدة .. .
فحياتنا وإن ضاقت .. .
لا بدَّ .. من مسك لها ...
في الختام ..
صديقتك على الدوام ..
نوّارة الشام ...
نور ..