رســــول الإحــســــاس
قـــلــبٌ يُــردّدُ تــعـويــذة فِـــكــرٍ .. و طُــهــر
أحلى قصائدي ... نزار قباني

 
 
 

" أحلى قصائدي !

هل هذا ممكن ؟ وهل يستطيع شاعر على وجه الأرض أن يقرر بمثل هذه السهولة والرعونة ، ما هي أحلى قصائده .

وإذا كانت القصائد التي اخترتها هي أحلى القصائد من وجهة نظري ، فهل هي كذلك بالنسبة للآخرين ؟

إن ذوق الشاعر ، على أهميته ، يبقى ذوقه الخاص ، و ارتباطه الشخصي ببعض قصائده ، والظروف التاريخية والنفسية والإنسانية التي كتب تحت تأثيرها هذه القصائد ، تلعب دورا رئيسيا في لعبة الاختيار .

إن ورائي ثلاثين عاما من التجارب الشعرية ، وأمامي عشرون كتابا هي تذكرة ميلادي ، وجواز سفري ، وعمري كله .

فكيف أستطيع أن ألتقط من هذا البحر ، ثلاثين صدفة أقول عنها إنها البحر ..

وكيف أسمح لنفسي أن ألتقط من الشمس ثلاثين شعاعا وأدعي أنني سرقت النار؟..

إن كل عملية اختيار بحد ذاتها مرعبة. وعملية اختيار الشعر ممن كتبه هي ذروة الرعب ..

وإذا كان لا يستحيل على الإنسان أن يختار أثوابه ، وعطوره ، وأثاث بيته ، ولون ستائره ، فمن المستحيل عليه أن يختار انفعالاته ..

الشعر هو أرض الانفعال .

هو وطن الأشياء المنقلبة دائما على نفسها ، والأشكال الهاربة من شكلها .

وعلى هذه الأرض الحبلى بالدهشة والمفاجآت ، لا ثبات لشيء .ولا يقين لشيء ..

فكيف يختار الشاعر حصانه بين ألوف الخيول المتسابقة على حدقتي عينيه ؟

الاختيار كان دائما يعذبني . والتمييز بين هذه القصيدة وتلك كان دائما وجعي الأكبر .

وبالرغم من طول صحبتي للشعر ، وسكناي معه وفيه فإنني كلما دعيت إلى أمسية شعرية أقف أمام أوراقي خائفا ومترددا كالطفل عشية الامتحان .

إن فكرة إصدار مختارات شعرية لي فكرة قديمة ولكنني كنت دائما أؤجلها وأخشاها كما يخشى المتهم قرار المحكمة .

إلا أن مواجهتي اليومية للجمهور ووقوفي أمامه فاعلاً ومنفعلاً وردود الفعل المختلفة التي كانت تواجَه بها قصائدي أكسبتني بعض الخبرة في معرفة القصائد ـ المفاتيح في شعري. وأعني بالقصائد ـ المفاتيح ، تلك القصائد التي تركت وراءها أسئلة .. وحرائق .. ونار .. ودخانا .

واليوم وقد قررت أن أدخل قاعة المحاكمة أود أن أهمس في آذان المحلفين أن اختيار بضعة أشجار من غابة لا يمثل حقيقة الغابة ، وأن قطف ثلاثين زهرة ، ووضعها في آنية .. فيه ظلم كبير للبستان .. "

1972


هكذا قدّم لنا مُعجِزَةُ الشِّعْرِِ و الشّعور ( نزار قباني ) مختاراتِهِ الشّعريةِ و التي تجرّأ على وصفها " أحلى قصائدي " دون أن ينفي أنّ هذا الحكم غير نهائي و لا يجوزُ أن يكون مطلقاً و نهائياً و أنا أراهُ كذلك حقاً .

فالقصائدُ التي اختارها القبّاني لتكون في هذه المجموعةِ المختارة كانت فعلاً أشهر قصائدِهِ و أكثرها تداولاً بين النّاس بمختلف فئاتهم ، و هي و دون شكّ قصائدُ مُدهشةٌ كما الذي كتبها ، و أجملُ ما في هذه القصائدِ أنّها جمعت كلّ ما يمكن أن يتحدّث عنهُ شاعرٌ شغل الدنيا بإحساسهِ و تلاعب باللغةِ بكلِّ ذكاءٍ و احتراف و صارتَ كلماتُهُ دستوراً لكلّ العشّاق في كلّ حالاتِ عشقهم و نوباتِهِ .

أجملُ ما في هذه القصائد ، أنّها تعطي من يجهلُ نزار كلمةَ السّرِِ التي ستقودهُ إلى ذلك العالم النّزاريّ السّاحر بحيث يفهمُ تركيبةَ الشّعر على الطريقةِ النزارية ، و يتعلم منهُ فلسفةَ الشّعر من شفاهِ نزارية ، و يدورُ حول نفسهِ و حول أفكارِهِ و خيالاتهِ كلّما مرّ على فكرةٍ نزاريةٍ لم يسبقَ نزار أحدٌ إليها .

و هو اختار إحدى أهم و أجمل و أروع قصائدهِ لتكون فاتحةَ القصائد المختارة ، و هي قصيدة ( اختاري ) ، و التي كان ثائراً فيها و صاحِب كبرياءٍ و مبدأ ، مطالباً حبيبتهُ بقرارٍ نهائيٍّ محرّضاً إياها بلغةٍ شعريةٍ جذّابةٍ و أنيقةٍ و موسيقيةٍ :

" إني خيَّرتُكِ .. فاختاري

ما بينَ الموتِ على صدري ..

أو فوقَ دفاترِ أشعاري ..

إختاري لحبَّ .. أو ألا حبّ

فجُبنٌ ألا تختاري ..

لا توجدُ منطقةٌ وسطى

ما بينَ الجنّةِ والناِر .. "

نزار .. الآسرُ بعشقِهِ ، بحزنهِ ، و بجنونهِ ، كان أكثر من ذلك في قصيدتهِ ( نهر الأحزان ) و الذي بدا فيها زاهداً ، مهموماً ، و كلّ ذلك و هو في ذروةِ العشق مازجاً بروعةٍ لا مثيل لها بين أنّاتهِ و تنهيداتهِ لتكون قصيدةٌ لم يغفل عن إضافتها في مختاراتهِ :

" أأقول أحبـــــــك .. يــــا قمــــــــري

آه لــــــــــو كـــــــــان بإمكــــــــاني 

 فأنـا إنسـانٌ مفقـودٌ

لا أعرفُ في الأرضِ مكاني

ضيّعـني دربي .. ضيعَـني

إسمي .. ضيَعَـني عنـواني

تاريخــــــــي ؟ مـــــا لي تاريـــــــخ

إنـــــــــــي نســـيان النســــــــــــيان

إني مرساة لا ترسو

جـرحٌ بملامـحِ إنسـانِ

ماذا أعطيـِك ؟ أجيبيـني

قلقـي ؟ إلحادي ؟ غثيـاني ؟

ماذا أعطيـكِ سوى قدرٍ

يرقـصُ في كفِّ الشيطانِ

أنا ألـفُ أحبّكِ .. فابتعدي

عنّي .. عن نـاري ودُخاني "

نزارُ الشعرِ كان عندَ القباني كثير السحر ، و و لذا فمن الطبيعي أن يسافرَ بأفئدةِ كل من يقرؤه إلى أماكنَ لم يألفوها و بطرقٍ غير تقليديةٍ حيث الجناحينِ نزاريينِ و اللغةُ نزاريةٌ و الأنفاسُ كذلك .

نزارُ العاشقُ المتيّمُ ، مجنونٌ كما لمْ يُجنّ أحدٌ بذاتِ جنونِهِ لمّا يُحبّ و هكذا كان في ( قصيدة الحزن ) :

" علمني حبـك ..

أن أتصرف كالصـبـيـان

أن أرسم وجهك ..

بالطبشور على الحيـطان

وعلى أشرعة الصيـادين ..

على الأجراس ..

على الصـلبان ..

علمني حبـك ..

كيف الحب يغـير خارطة الأزمان

علمني .. أني حين أحب

تـكـفّ الأرض عن الـدوران ..

علمني حبك أشياءً ..

ما كانـت أبداً في الحسبان "

و كما اعتدنا .. لكلّ تفصيلٍ صغيرٍ ، فِعْلٌ مدهشٌ إذا مرّ على فكرِ نزار ، و لذا فليس عجباً أن نمرّ مثلاً على قصيدةٍ مدهشةٍ ( صديقتي و سجائري ) تتكلم في أكثر من عشرين بيتاً عن أنثى تصف حبيبها و هو يدّخن ( !! ) ، متضمّنةً بسحرٍ خالصٍ تفاصيلَ أحالها نزار ببراعةٍ و ببساطةٍ إلى خلطةٍ خاصّةٍ تدفعكَ لإلتهامِ كلماتِهِ بحماسٍ .. و لذّة :

" واصل تدخينك .. يغرينــــي

رجل في لحظة تدخيـــــــن

هي نقطة ضعفي كامــرأة

فاستثمر ضعفي وجنونـي

ما أشهى تبغك ، والدنيــــا

تستقبل أول تشريـــــــــن "

و لأنّ الجرأة كان إحدى أهمّ الشخصية النزارية فقد رافقتهُ هذه السمة في قسمٍ كبيرٍ من قصائدهِ ، و كانت أكثر العناصر المشتركةِ في قصائدهِ المختارةِ هنا ، إن كان في المواضيع المطروحة و التي و حتّى اليوم و بعد عشرات السنين من تواريخ بعض القصائد ما زالتْ ترعِبُ الأدباء و الكتاب و تمنعهم عن تناولِها ، أو إن كان في الألفاظِ المستخدمةِ و التي كانت سبباً مع جرأة مواضيعهِ لمنعِ دواوينهِ في عددٍ من الدوّل العربيةِ التي يتكاثرُ فيها الفسادُ أصلاً تكاثر الذبابِ على المزابل !!!

و نزار لم يكن جريئاً في هذا و ذاك فقط ، بل كان جريئاً في التكلّم عن نفسهِ بوضوحٍ و شفافيةٍ بعيداً عن المثاليةِ ، حيثُ كان يتكلمُ عن نفسهِ بكل قبحِ نزواتها و كلّ الثغراتِ الموجودةِ في تركيبتها ، و لذا تصادِفنا كما في ( الرسم بالكلمات ) هذه الجرأة و دوماً بشكلٍ مثير و آسر :

" إني كمصباح الطريق .. صديـقـتي

أبكي ، ولا أحدٌ يرى دمعاتي

الجنسُ .. كان مسكّـنا جرّبـتـُه

لم يُـنـهِ أحزاني ، ولا أزماتي

والحب .. أصبح كله مـتـشابها

كتـشابه الأوراق في الغابات

أنا عاجـزٌ عن عشق أيّـة نمـلـةٍ

أو غيمةٍ ، عن عشق أيّ حصاة

مارستُ ألـف عبادةٍ وعبادة

فـوجدت أفـضلها عبادة ذاتي ! "

و كانت جرأةُ نزار تبرزُ أيضاً في مناصرتِهِ للمرأة بشكلٍ أو بآخر رغم كل الإتهاماتِ التي وجّهت إليهِ و هذا ما أعطاهُ لقب ( شاعر المرأة ) ، حيث لبس روحها و أحاسيسها غير مرّة و تكلّم بلسانها و واجه المجتمع الذكوري بكل قبحهِ بكبريائها و عنفوانِها ، و لطالما أحدث ضجّة كبيرةٍ في قصيدةٍ أو في أخرى كان المرأةُ الظلومةُ هي موضوعها ، و هذا سنصادِفه في أكثر من قصيدة من هذه المختارات كما في ( رسالةٌ إلى رجلٍ ما ) :

" يا سيدي !

أخاف أن أقـول ما لـدي من أشـياء

أخاف ـ لو فعـلت ـ أن تحتـرق السماء

فشرقـكم يا سيدي العزيز

يصادر الرسائل الزرقاء

يصادر الأحلام من خزائن النساء

يستعمل السكين .. والساطور ..

كي يخاطب النساء ..

ويذبح الربيع ، والأشواق ،

والضفائر السوداء

وشرقـكم يا سيدي العزيز

يصنع تاج الشرف الرفيع .. من جماجم النساء .. "

و كذلك في ( رسالة من سيّدةٍ حاقدة ) التي تحدّث فيها عن امرأة واجهتْ حبيبها بخيانتهِ لها مع أخرى بنفس الطقوس و بذاتِ الأسلوب :

" ( لا تدخلي ) ..

وسددتَ في وجهي الطريق

بمرفـقيك وزعمت لي ..

أن الرفـاق أتـوا إليـك

أهم الرفاق أتـوا إليـك ؟

أم أن سيـدة لـديـك

تحتـل بعدي ساعديك ؟

وصرخـتَ محـتـدما :

" قـفي " !!

والريح تمضـغ معـطفي

والذل يكسو موقـفي

لا تعتـذر ، يا نذل ، لا تـتـأسف .

أنا لست آسفة ً علـيك ..

لكن على قـلـبي الــوفي

قـلبي الـذي لم تعـرف ِ .. "

و في قصيدةٍ ( حبلى ) و كما لو أنّها قصةٌ من القرنِ الحادي و العشرين ، تواجهُ فيهِ المرأة التي ضحّت برمزِ أنوثتها إرضاءً لمن توهّمت أنّه يستحق ، تواجُهُ فيها الرّجل الذي نال من أنوثتها قبل أن يطردها من حياتِه لمّا عرِفَ نتيجةَ فعلتِهِ بحججٍ واهيةٍ محمّلاً إيّاها مسؤوليةَ ما حدث مبرِّئاً نفسهُ من شرّ فعلتهِ ، و من ما زرعهُ في أحشاءِ الأنثى التي سلبها كرامتها ، و بكبرياءٍ و جرأةٍ تواجهُ هذه الأنثى هذا الرّجل الشرقي الذي نراهُ و نسمعُ قصصهُ عشراتِ المرّات كل فترة :

" لا تمتقع !

هي كلمة عجلى

إني لا أشعر أنـني حُبلى ..

وصرخت كالملسوع بي .. "كلا"..

سنُـمَـزِّقُ الطفلا ..

وأخذت تشتـمـني ..

وأردت تطردني ..

لا شيء يـدهـشـني ..

فـلـقـد عـرفـتـك دائـما نـذلا .. "

و واجهَ نزار حقيقة القسم الأكبر من رجال المشرق بلسانِ أنثى عانت من ذكوريةِ كلّ التفاصيل التي تضجّ بها غرفة الزوجية و التي يأمر فيها الرجل و ينهي على مقاسِ شهوتهِ و لذّاتِهِ دون الاكتراثْ بمتطلباتِ الأنثى و احترامها ، و هكذا كان في ( أوعيةِ الصّديدِ ) :
 
" نحن النسـاء لـكـم عـبـيـد

وأحـَط ّ أنـواع الـعـبـيـد ..

كم مات تحت سـياطكم نـهـد شـهـيد

وبـكى من اسـتــئـثــاركم خــصر عـمـيد

ماذا أريـد ؟

لاشيء . يا سفـاح . يا قـرصان .

يا قـبـو الجـلـيد فـأنــا وعـاء

لـلـصـديـد ..

يا ويـل أوعـيــة الـصـديـد ..

هيَ ليس تـملـكُ ..أن تــُـريد ولا

تريد .. "

و من المواضيع المثيرةِ للجدل و التي طرحها في مواضيعِ قصائدهِ الشذوذ الجنسي بين النساء ( السّحاق ) في قصيدتهِ " القصيدة الشريرة " ، و كذلك البغاء في قصيدتهِ " بغي " و ممارسة الجنس بمقابل مادي كما في قصيدته " إلى أجيرة " التي قال فيها :

" بدراهمي !

لا بالحديـث النـاعـم

حطمت عـزتـك المنـيـعة كلـها ..

بـدراهمي

وبـما حملــتُ مـن النـفـائــس ،

والحريـر الحالــم فـأطعـتِـني ..

وتـبـعـتـنـي ..

كالـقـطـة العـمـيـاء مـؤمـنـة بكـل

مزاعمي ..

فـإذا بـصـدرك ـ ذلـك المـغرور ـ

ضمن غنـائمي

أيـن اعــتـدادكِ ؟

أنــتِ أطـوع في يـدي من خاتمي

قـد كان ثـغـرك مـرة ..

ربي .. فأصبح خادمي "

نزار .. الذي اخترقت قصائدهُ كلّ المحرّمات ، و كان سبّاقاً في الإشارةِ بوضوحٍ و دون أي التباسٍ إلى المشكلاتِ الرئيسيةِ التي تعيشها مجتمعاتنا العربية ، و كانَ الثالوث المحرم في عِرفِ الأدباء و المثقفين و أجهزةِ الإعلامِ بمختلفِ أنواعها و بين النّاس العاديين محوراً للكثير الكثير من قصائدهِ و هذا كما أسلفت كان السبب الرئيسي في كون نزار و كتاباتهِ مثاراً للجدل بين النقّادِ و زملاء المهنةِ حتى أصبحتْ دواوينهُ و قصائدهُ كما يعرف في الكثير من القصص الحقيقية توزّعُ بسرية كما المنشورات لكونه أصبح اسماً غير مرغوبٍ في وجودهِ في الكثير من الدول العربية و هذا نجدهُ هنا في مختاراتهِ أكثر من مرّة كما في قصيدتيهِ ( الخرافة ) و ( خبزٌ و حشيشٌ و قمر ) التي قال عنها القباني " فأنا أيضاً ضربتني دمشق بالحجارة, و البندورة, و البيض الفاسد..حين نشرت عام 1954 قصيدتي (خبز و حشيش و قمر) ... ( ..... ) ... فكانت أول مواجهة بالسلاح الأبيض بيني و بين الخرافة .. و بين التاريخين " .

هذه القصيدة سبق أن أثارت رجال الدين في سورية ضده ، وطالبوا بطرده من السلك الدبلوماسي ، وانتقلت المعركة إلى البرلمان السوري وكان أول شاعر تناقش قصائده في البرلمان :

" عندما يولد في الشرق القمر

فالسطوح البيض تغفو ..

تحت أكداس الزهر

يترك الناس الحوانيت .. ويمضون

زُمَـر لملاقاة القمر ..

يحملون الخبز ، والحاكي ، إلى

رأس الجبال

ومعدات الخَـدَر ..

ويـبـيـعون ، ويشترون .. خيال "

و تتجلى أروعُ اللمسات النّزارية لمّا يتحدث عن وطنهِ و بيتهِ و عن أمّه و أبيهِ ، ففي قصيدتهِ ( غرناطة ) و من خلالِ إحدى الإسبانيات يناجي الأمجادَ الإسلاميةِ التي أهدت للغرب حضاراتٍ لم يكونوا ليبلغوها لولا المسلمين ، و هو آسفٌ على الحال الرّاهن للإسلامِ و المسلمين :

" قالت: هنا (الحمراءُ) ..زهوُ جدودنا

فـاقرأ على جدرانها أمجادي

أمجادها !! ومسحت جرحا ثانيا بفؤادي

يا ليت وارثـتـي الجميلة َ..أدركت

أن الذين عَـنَـتهُـمُ أجدادي ..

عانقـتُ فيها عندما ودعتها

رجلا .. يسمى ( طـارقَ بـنَ زيـادِ) .. "

و كانتَ المصائبُ التي ابتلي بها أيضاً قد ألهمتهُ بقصائدَ لا يمكن أن تموتَ ، و خاصةً ابتلاؤه بوفاةِ أختهِ وصال ثم والدهِ ثمّ والدتهُُ ثمّ ابنهِ الشاب توفيق ( رثاهُ بقصيدة الأمير الخرافي توفيق قباني ) ثمّ زوجتهِ بلقيس التي قُتلت في بيروت بتفجيرٍ دامٍ سنة 1982 ، و رثاها بقصيدةٍ حملت اسمها بحجم ديوان تعتبر من روائعِ الشّعر العربي و رفض أن يتزوّج بعدها ، و في هذه المختارات كان أن اختار قصيدة ( أبي ) :

" أبي يا أبي إن تاريخ طيبٍ

وراءك يمشي ، فلا تـَـعـتبِ ..

على اسمك نمضي ، فمن طيبٍ

شهيّ المجاني ، إلى أطيبِ

حَـمَـلتــُـكَ في صحو عـيـنيّ ..حتى

تـهيأ للناس أني أبي ..

أشيلـك حتى بنبرة صوتي

فكيف ذهبتَ ولا زلت بي ؟ "

أمّا أمّهُ فكانت حاضرةً بهذه المختاراتِ من خلال " خمس رسائل إلى أمّي " في واحدةٍ من أجمل ما كتب نزارُنا و في نفسِ القصيدة مارس هوايتهُ التي لطالما مارسها في قسمٍ كبيرٍ من قصائدهِ بتنفس دمشق و استحضارها كأنثى تلهمهُ بالشّعر ، و تحرضهُ على الإحساس ، و تعلّمهُ فعل الدهشةِ ، و تعطيهِ أسرار المحبةِ ، و تهبهُ خلطةَ السحرِ ، و تزرعُ في عينيهِ الجمال :

" عرفـتُ نساء أوروبا ..

عرفـتُ عواطف الأسمنت والخشب

عرفـت حضارة التعب ..

وطـُـفـتُ الهند ، طـُفتُ السند ،

طـُـفـتُ العالم الأصفر ولم أعثر

على امرأةٍ تمشط شعري الأشقر

وتحمل في حقيبتها ..

إلي عرائس السكر

وتكسوني إذا أعرى

وتـَـنـشُـلـني إذا أعثـَر

أيا أمي ..

أيا أمي ..

أنا الولد الذي أبحر

ولا زالت بخاطره ..

تعيش عروسة السكر

فكيف .. فكيف يا امي

غدوت أبا ..

ولم أكبر ..

................

مضى عامان .. يا أمي

ووجهُ دمـشـقَ ،

عصفورٌ يخربش في جوانحنا

يعض على ستائرنا ..

وينقرنا ..

برفــقٍ من أصابعنا ..

مضى عامان .. يا أمي

وليل دمشق

فـلّ دمشق

دور دمشق

تسكن في خواطرنا

مآذنها .. تضيءُ على مراكبنا

كأن مآذن الأمويّ ..

قــد زُرعت بــداخلنا ..

كأن مشاتل التـفاح ..

كأن الضوء ، والأحجار

جاءت كلها معنا ..

أتى أيلول أماه ..

وجاء الحزن يحمل لي هداياه

ويترك عند نافذتي

مـدامعه وشكواه

أتى أيلول .. أين دمشقُ ؟

أين أبي وعيناه

وأين حرير نظرتهِ ؟

وأين عبير قهوته ؟

سقى الرحمن مثواهُ .

وأين رحاب منزلنا الكبير ..

وأين نعماه ؟

وأين مَـدَارجُ الشَـمـشِـيـرِ ..

تضحك في زواياه

وأين طفولتي فيه ؟

أ جَـرجِـرُ ذيل قطـتـهِ

وأكل من عريشته

وأقطف من ( بَـنَـفـشَـاهُ ) .

دمشق . دمشق .

يا شعرا

على حدقات أعيننا كتبناه

ويا طفلا جميلا ..

من ضفائره صلبناهُ

جـثــَـونا على ركبتيهِ ..

وذبنا في محـبـتـهِ

إلى أن في محبتنـا قتلناه "

نزار قبّاني .. قصيدةٌ مكتوبةٌ بماء الياسمينِ الدمشقي ، علّقها كلّ عاشقٍ على حيطانِ رُوحِهِ ، مدرسةٌ علّمت - و ستظلُّ - أجيالاً كاملةً معنى الوطنْ و الحرية و ألف باء الثورة و التمرد على القبحِ و الذلِّ ، قائدٌ أرعب القادةَ و هزّ الأوطان الكرتونيةَ و صنع وطناً على مقاسِ أحلامهِ التجأ إليهِ الملايينُ من الشرق و الغرب و أصبحوا من رعاياهُ و جنودهِ .

نزار قباني .. ظاهرةٌ لم تُفهم بعدُ كما يجبْ ، و رغم الإختلاف بيني و بينهُ بالعديدِ من آرائهِ و تشريعاتِهِ إلا أننا لا يجب و لا يجوز أصلاً أنْ نشكّكَ أنّه أبُ الشعر العربيِّ الحديثٍ ، و صاحبُ الفضلِ الأكبر في أن يكونَ الشعرُ محكياً بلسانِ البسطاء في كلّ مكانٍ .

نزار قباني .. أكبرُ من أن أكتبَ عنهُ أو أحاولَ شرحهُ ، و لذا فأكتفي بما ذكرتْ و أؤكدُ خلافي معهُ أنّ هذه المختارات هي أجمل ما كتب ، و ربما هي كذلك من حيث المواضيع التي طرحها فيها ، أمّا على أرضِ الواقعِ و بتحكيم المعايير الحسّيةِ و الأدبيةِ فهناكَ قصائدُ و دواوينُ نزاريةٌ قد يُخيَّلُ لنا أنّ من كتبها هم مجموعةٌ من ألفِ شاعرٍ عبر كلّ العصور .

أحلى قصائدي .. نزار قباني

 

الـتــحــمــيــل

 
 
* الملف بصيغة pdf  لتحميل البرنامج المختص بقراءة هذا النوع من الملفات إن لم تكُ تملكه 
 
 
 
 
 
 
 
 
نائل شيخ خليل

16 نيسان 2009

 

للتعليق و إبداء الرأي على هذا المقال يرجى النقر

 

هنا 
 

 
 
 
قراءاتٌ و دراساتٌ في المدرسة النزارية نائل شيخ خليل دراساتٌ متعمقة تناولت مدرسة الشعر النزارية و درستها بعناية و قالت رأيها بشكلٍ أخّاذ و شيق ، مسبوقة بسيرةٍ ذاتيةٍ بقلمٍ نزارنا مكتوبةٍ بإحساس أخّاذ . WWW.NAELKHALIL.arabblogs.com
 

 

 



Add a Comment

اضيف في 29 ديسمبر, 2010 10:45 ص , من قبل amihodhod
من قطر said:

أحلى ... نافذة أطللت عليها
لأنها قادتني لضالتى التى ابحث عنها
وهو الإيميل الخاص بشخصك الرقيق
لبعث لك بصفة شخصية
كلمات أرى من الأمانة إرسالها
لصاحب هذا الحس العالي المبدع
أختك دولت



Add a Comment

<<Home